«ليس عدلاً أن تملك دول التكنولوجيا النووية فيما تحرم دول أخرى منها» ربما تكون العبارة السابقة أقوى تصريح للدكتور محمد البرادعي منذ توليه منصبه العالمي الرفيع الذي حصل من خلاله على جائزة نوبل للسلام. ربما يكون البرادعي موزعاً بين ما تمليه عليه نزاهته العلمية وضميره كعربي ومسلم وبين ما يمليه عليه منصبه الموظف لخدمة قوى عالمية تريد احتكار القوة والعلم وحرمان الآخرين منها.

ولا شك أن وخزات ضمير تؤرقه حينما يفرض عليه توازن القوى الدولية أن يصبح مخلب قط ضد الضعفاء، وشاء القدر أن يجد الرجل نفسه مكلفاً بمنع دول عربية وإسلامية في الغالب من امتلاك التكنولوجيا، وأن يجد يده مغلولة عن مجرد فتح ملف القوة النووية الإسرائيلية. معادلة صعبة إذن يعيشها البرادعي قبل حصوله على جائزة نوبل إزدادت صعوبتها بعد حصوله عليها. من هنا حاول الرجل تبرئة نفسه من التواطؤ مع الغرب،

فهو يعرف أن سجل «نوبل للسلام» لا ينظر إليه باحترام في الغالب خاصة في عالمنا العربي، فالذين حصلوا عليها من المنطقة لم ينظر إليهم كصناع سلام حقيقي. فالسادات فرط من وجهة نظر الغالبية (التي أصبحت توسم بالتطرف الآن) في حقوق بلده لدرجة أن نشر 750 جندياً على مقطع صغير من الحدود مع قطاع غزة أصبح يقتضي مفاوضات ماراثونية ومساومات واتفاقات ومراقبة دولية،

بينما لو تمسك الرئيس المصري السابق بالحقوق الوطنية الطبيعية كان أمر مثل هذا سيصبح شأناً داخلياً لا علاقة لإسرائيل به من قريب أو من بعيد.أما مناحيم بيجن شريكه في الجائزة، فسجله في القتل يغني عن تعريفه وكذلك الأمر بالنسبة لشركاء عرفات الإسرائيليين في نوبل رابين وبيريز، فلهما في القتل سجل حافل ربما أكبر بكثير مما حوكم عليه زعماء نازيون أو يحاكم عليه الآن ميلوسيفيتش وصدام.

التصريح الناري للبرادعي أذن استهدف القول ان الرجل لم ينل الجائزة لأنه تنازل عن قناعاته وتواطأ مع الرغبات الغربية، فالتاريخ يشهد له أنه حاول منع احتلال العراق وأكد بوضوح لا لبس فيه أن مفتشي الوكالة لم يعثروا على شيء يبرر غزوه، لكنه في النهاية لم يملك منع هذا الغزو.يقول أحد أقارب البرادعي انه أرسل إليه وقت اشتداد أزمة المفتشين الدوليين في العراق يطالبه ألا يكون عونا على بغداد، فرد عليه قائلاً انه لا يستطيع أن يناقض ذاته كعربي ومسلم وأن على قريبه أن يطمئن.

نال البرادعي عداء أميركا علناً على الأقل نتيجة مواقفه، فحاولت منع التجديد له في منصبه، ودخل في الدوامة نفسها التي دخلها قبله أمين عام الأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي، لذلك لا ينبغي أن ينظر العرب للجائزة على أنها نتيجة الرضا السامي لواشنطن والصهيونية العالمية، فالجائزة الظالمة تفتقد مصداقيتها ومبرر وجودها إن ظلت ظالمة طوال الوقت.

magdishendi@hotmail.com