يتساءل الإسرائيليون: عن مصير شارون. هل سينهي حياته بين الخراف في مزرعته بالنقب، أم يتحول إلى خرافة أخرى من خرافات الحلم الصهيوني؟ بالمقابل يتساءل الفلسطينيون: هل يحقّق محمود عباس جزءا من الحلم الفلسطيني ويصبح «بطل السلام» الذي في عهده «تحررت» غزة، إذا جاز التعبير، أم يبطل الإسرائيليون مفعوله بمجرد ان ينهي هو نفسه مفعول السلاح الفلسطيني وثنائية النضال المسلح كطريق للتحرير؟

في لقائهما المفترض في الحادي عشر من الشهر الحالي سيجلس الاثنان وجها لوجه. طبعا سوف يكون شارون هو البادئ بالكلام، وبالسؤال عن حال حماس، وليس عن حال عباس: ما هي خططك القادمة لنزع سلاح الحركة. ماذا سنفعل بالأربعمائة الذين اعتقلناهم من قيادات وعناصر ومؤيدي الحركة في نابلس ورام اللّه؟ إلى أين وصلتم في ضبط الفلتان الأمني في غزة... «يعجبني تعبير الفلتان» يقهقه شارون بأعلى شحمه.

ينزعج عباس، يضم شفتيه: لقد أنجزنا تسعين بالمائة مما هو مطلوب منا. دعنا نبدأ مفاوضات جادة وننفذ خريطة الطريق.يضحك شارون هذه المرة نصف ضحكة. يقطعها في منتصف الطريق. يتحول إلى شخص آخر وهو المعروف بأنه صاحب شخصية مركبة. يقطب حاجبيه يرد على عباس: لكنك لم تفكك بعد المنظمات الإرهابية وتحديدا حماس والجهاد. يحاول أبو مازن ذكر قائمة بالمواجهات التي حدثت بين قوات السلطة وقوات حماس في غزة.

يقاطعه شارون، بالتقليل من أهمية ما يراه عباس مهما. يذكره بتفكيك مستوطنات غزة ويطلب منه بالمقابل تفكيك المنظمات. واحدة بواحدة والمبادئ هو من تسمع كلامه أميركا.يؤمن شارون انه ادخل ابو مازن في شرك غزة. فما لم تحل السلطة الفلسطينية الفصائل وتحولها إلى أحزاب منزوعة الأسنان فإن الأميركيين سيمتنعون عن الضغط على إسرائيل خاصة ان الفصائل وفي مقدمتها حماس على قائمة الإرهاب التي لا تتهاون بشأنها أميركا التي تعتبر نفسها في حرب مفتوحة مع الإرهاب.

سوف ينتهي اللقاء بين الرجلين دون اتفاق على الحد الأدنى بشأن الخطوة التالية. فشارون سوف يكسب وقتاً اضافياً آخر ليثبت للمستوطنين انهم حجارة على لوح شطرنج وليس العكس. اي انه ليس حجرا على لوح شطرنجهم، حسب تعبير ناحوم برنياع المحلل الرئيسي في صحيفة يديعوت احرونوت. وفي الوقت نفسه سيثبت للرئيس بوش انه أهل لثقته، وللأوروبيين انه ليس المقابل الإسرائيلي لصدام حسين بل المقابل لنلسون مانديلا. والتعبير أيضا للمحلل برنياع.

اما عباس فسوف يخرج من اللقاء أكثر ضعفا. ضعف يضاف إلى الضعف الذي يراه فيه الإسرائيليون الذين يرون ان عرفات لو قدم عُشر التنازلات التي يقدمها عباس وبخاصة ما يتعلق بالشأن الفلسطيني الداخلي والصراع مع حماس والجهاد، لما حوصر سنتين في المقاطعة وما حرم من دخول البيت الأبيض.. وربما لما مات!

وكما يقول عكيفا الدار في هآرتس فإن الإسرائيليين يرون شارون ومحمود عباس في أحلامهم وهما يوقعان على اتفاق سلام في العام المقبل بين دولتي إسرائيل وفلسطين، متصافحين بحرارة وسائرين يدا بيد نحو الأفق. حسب آخر استطلاع أجراه مركز ترومان في الجامعة العبرية يتبين ان 67 في المئة من مواطني إسرائيل اليهود، و 63 في المئة من مواطنيها العرب يؤيدون الاعتراف المتبادل بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي وبفلسطين كدولة للشعب الفلسطيني.

استطلاع مناظر أجراه مركز الأبحاث الفلسطيني برئاسة الدكتور خليل الشقاقي اظهر نسبة تأييد مشابهة «63 في المائة» عند الفلسطينيين في أراضي السلطة والقدس الشرقية.ولكن عندما ينهض الإسرائيليون من سباتهم على الواقع الأمني والسياسي القائم -تتوقع أغلبيتهم استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خلال العام المقبل أيضا.

حسب الاستطلاعات التي جرت في إطار نفس الدراسة يتبين ان 5 في المئة من الإسرائيليين فقط و«25 في المئة من الفلسطينيين» يتوقعون بأن تستأنف المفاوضات في السنة المقبلة، وان تتوقف العمليات 37 في المئة فقط من الإسرائيليين «30 في المئة من الفلسطينيين» يعتقدون ان قيادة الطرف الآخر جاهزة للحل الشامل.

أغلبية الإسرائيليين «59 في المئة»، وأغلبية الفلسطينيين «53 في المئة» يعتقدون ان شارون قادر على تمرير التسوية في الطرف الإسرائيلي اذا تم التوصل اليها. في المقابل يعتقد نصف الفلسطينيين تقريبا ان محمود عباس قوي بدرجة تكفي لاقناع شعبه بتأييد التسويات المطلوبة. 18 في المئة من الإسرائيليين فقط يعتقدون ان الشعب الفلسطيني سيقف من وراء أبو مازن في ذلك.

معنى ذلك ان المشكلة لا تكمن في جوهر الحل لان هذا الحل معروف اذ انه يتراوح بين مقترحات كلينتون ورؤية بوش. العقبة الأساسية على طريق التسوية حتى بعد ان توفي ياسر عرفات ـ اللاشريك، ما زالت تكمن في انعدام ثقة الإسرائيليين بجارهم الفلسطيني.كل الأطراف مقبلة على مرحلة تتوقف فيها التحركات المتعلقة بالقضية العامة من اجل القضية الخاصة.

فالفلسطينيون مقبلون على انتخابات تشريعية في يناير 2006 ،والليكود ينتظر الانتخابات الداخلية في ابريل ليحسم مسألة زعامة الحزب والطريق الذي ستسلكه إسرائيل. أما أميركا فإنها مقبلة على انتخابات الكونغرس في أواخر العام الحالي ما قد يقلص اهتمام ادارة بوش بالساحة الفلسطينية الإسرائيلية بدرجة كبيرة.

منذ اتفاق أوسلو مضت سنوات قبل ان تتبخر أحلام التسوية في كامب ديفيد 2. وتمضي الآن سنوات تشهد مخاضا لكن ليس في الأفق ولادة ولو قيصرية. نخشى ان تكون خسارة الفلسطينيين الفادحة فقدانهم ذاك الخط الذي يسمونه احمر المتمثل في الاقتتال الداخلي، وان تكون غزة أولاً هي غزة أخيراً!

كاتب من الاردن