هناك فارق مذهل بين السيرتين الذاتيتين للحركتين: الصهيونية والوطنية الفلسطينية. يفهم هذه الحقيقة كل من يستطيع التمييز بين مشروع عدواني استعماري استيطاني، وبين المشروع التحرري المضاد والمقاوم له. مع ذلك، ثمة ما يغري أحياناً بإجراء نوع من أنواع المشابهة بين محطات بعينها في السيرتين، وقضايا إشكالية عرضت لهما بحيثيات متقاربة.

ربما يسترعي النظر بهذا الخصوص، التعدد التنظيمي، والتمييز بين راديكاليين متشددين وبين من هم أقل راديكالية وأكثر اعتدالا، وكذا بين علمانيين ومتدينين، وبين جماعات في الداخل وأخرى في الخارج. ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن المسألة الخاصة بالتعامل مع أسلحة الفصائل الفلسطينية، حماس وأخواتها بالذات، تستحضر في الذهن الكيفية التي عالجت بها حكومة إسرائيل المؤقتة قضية انتشار السلاح بين التنظيمات الإرهابية الصهيونية فور إعلان الدولة.

فإلى جانب تنظيمي «الهاجاناه» و«البالماخ» التابعين للجناح العمالي الصهيوني بقيادة ديفيد بن جوريون، كانت القوى اليهودية المسلحة تتوزع بين عدد من المنظمات الإرهابية، أبرز مسمياتها: الأرجون وشتيرن وليحي والبيتار وإتسل. وكان معظم هذه الأخيرة يتبع ما عرف بالجناح التصحيحي الذي أسسه زئيف جابوتنسكي، الأب الروحي والمرجعية العليا لطائفة الليكوديين لاحقا من مناحيم بيحين إلى أرييل شارون وبنيامين نتنياهو وأنصارهما.

ورغم ما يشاع حول قدرة هذه المروحة الواسعة من المنظمات الإرهابية على إدارة شؤون المشروع الصهيوني في طور النشأة والتكوين بشتى كثير من توزيع الأدوار والتنسيق، فقد خاضت في كل المحذورات والمحظورات التي تنحدر إليها الأطر السياسية. ففي علاقاتها البينية عرفت هذه المنظمات أنماطا من التنافس على خلفيات التنازع الفكري والشخصي القيادي حول الأهداف والوسائل وأنماط التحالف..

وبلغ التدافع بينها في بعض الأحايين طور الاتهامات المتبادلة بالخيانة والاستسلام والعمالة للإنجليز أو التساهل مع العرب!. ولم يخل الأمرـ قبل قيام الدولة ـ من أعمال الخطف والاغتيال والقصف الدموي، فضلا عن التلاوم الإعلامي والتشاتم السياسي بين الجميع.

كذلك لم يخل المشهد النظامي الصهيوني وقتذاك من صراعات كسر العظم بين بعض هذه القوى. علاوة على الانشقاقات داخل المنظمة الواحدة وتغير أنماط التحالفات فيما بينها. إن قصة التخاصم إلى درجة العداء بين بن جوريون ومناحيم بيجين شهيرة في السيرة الصهيونية قبل مايو 1948 وبعده. بل إن الجناح العمالي الخاضع لبن جوريون عانى طويلاً من الانشطار بين تنظيمي الهاجاناه والبالماخ المسلحين.

ومن أجل ما دعاه بوحدة التصور السياسي والحركة وتقوية ذات البين صهيونيا، فاوض بن جوريون خصومه ومنافسيه داخل الجناح العمالي وخارجه، ونتج عن ذلك مجموعة من الاتفاقات والتفاهمات، التي كان بعضها يخرق قبل أن يجف المداد الذي كتبت به.

وأكثر ما يعنينا من هذه المراجعة راهنا أن رجل الصهيونية القوي وجناحه صاحب الأغلبية، بذل جهودا مضنية كي يقنع التنظيمات الصهيونية المسلحة بالاندماج تحت علم واحد وقيادة مشتركة، لكنه فشل .. أو تم إفشاله من جانب شركاء المشروع الاستعماري، بذريعة أنه لا تخلي عن السلاح قبل إعلان الدولة وتكوين جيش لها.

لذا، نجد أن مصادقة بن جوريون على ما عرف بأمر إقامة جيش الدفاع الإسرائيلي أولى الخطوات التي اتخذها فور إعلان الدولة، وهو الأمر الذي أصبح ساريا في 26 مايو 1948 أي بعيد أقل من أسبوعين من ذلك الإعلان.. ولا أدل على تحرق الرجل لقضية التعجيل بنزع أسلحة التنظيمات الصهيونية وحشدها في صعيد واحد من توكيده على ضرورة عدم التسامح بشأن تطبيق المادة الرابعة من الأمر المذكور ونصها.. يحظر إقامة أو الاحتفاظ بأية قوة مسلحة خارج إطار جيش الدفاع الإسرائيلي».

وتذكر المصادر ذات الصلة أن التنظيمات الصهيونية امتعضت من هذا التوجه. غير أنها لم تملك، بعد ممانعة محدودة، سوى الانصياع له طالما تحقق شرطاها القديمان وهما قيام الدولة وجيشها!. من المؤكد أن هذا الموجز يعني الكثير للحالة الفلسطينية. فما يدور من جدل وتناظر حول مصير سلاح الفصائل في غياب الدولة ليس بدعا من طبائع الأمور.

الحركة الوطنية الفلسطينية لا يديرها سوى بشر يصيبون ويخطئون، فإن طالبت السلطة الوطنية بحصر السلاح ووحدة القرار في يدها فلا عجب، وإن مانعت بعض الفصائل في نزع سلاحها فلا عجب أيضا. العجيب والذي يستحق التدبر هو ألا يصل هؤلاء الشركاء في الدم والمصير إلي كلمة سواء.. جوهرها «ضبط» السلاح على وقع السياسة.. نطرح ذلك وفي الخاطر أن هناك مسافة فقهية وعملية كبيرة بين مفهومي نزع السلاح وضبطه،

وأن الفصائل أضحت مع السلطة في أقرب نقطة من هدف التوافق على قواسم مشتركة، بعدما أبت الأولى للاحتكام إلى صندوق الاقتراع. وأنه ليس بعد هذا القول الفارق سوى اعتدال النظام الفلسطيني على ساقيه، على سلطة منتخبة ومعارضة منتخبة. لكن إسرائيل فيما يبدو لها رأي آخر، ويدعو للأسى أن بعض أهل البيت الفلسطيني من الجهلاء يشاركونها هذا الرأي. إنهم لا يريدون لحماس وأخواتها المضي في طريق التلاقي مع السلطة، ولا يريحهم انتصار التيار الديمقراطي أو البراجماتي في المشهد الفلسطيني عموما.

هؤلاء هم أسماك الفتنة التي لا تسبح سوى في الماء الفلسطيني العكر.. والطريقة المثلى لتجفيف هذه المياه تقع باصطبار السلطة والفصائل، وكظم الغيظ تجاه بعضهم البعض، والدفاع عن حرمة الدم الفلسطيني. وإن كان لابد من التلاوم فليكن بالكلمات والبيانات لا باللكمات والبنادق!.

كاتب وأكاديمي فلسطيني