بعد سنوات من القتل الجماعي غير المنظم في الجزائر على أيدي جماعات منظمة بدقة شديدة، وبعد أن راح ضحيتها آلاف الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وافقت بعض الجماعات التي كانت تشارك في تلك المذابح على إلقاء السلاح والقبول بالمصالحة والسلم، ونجدنا نحن أمام عدة أسئلة تطرح نفسها تلقائيا على كل من شارك في تلك الهجمات العشوائية أو حتى من أيدها، ومنها:

- ما الهدف الحقيقي من وراء تلك العمليات؟

- ما الذي تم تحقيقه منها بعد كل تلك الهجمات الدموية الفاشلة ؟

- كم عدد الأبرياء المسلمين الذين ذبحوا بدم بارد وهم نيام؟

- كم عدد المهاجمين المسلمين الذين قتلوا في تلك الهجمات؟

- لماذا لم تكسب المعركة وفشلت في تحقيق مرادها؟

- هل يجوز (شرعا) أو أخلاقيا أن يقتل مسلم مسلما آخر نطق بالشهادتين أيا كان مذهبه أو طائفته؟

إن النتيجة الأخيرة توصلنا إلى المعادلة الرياضية الخاسرة التالية: مقتل الآلاف من الجزائريين على أيدي جزائريين من نفس الدم واللغة والدين والانتماء! والهدف أيا كان الهدف لا يتعدى في حقيقة الأمر محاولة من قبل تلك الجماعات المسلحة للتعبير عن غضبها أو رفضها أو فرض نفسها على الطرف الآخر.

أما إن كانت قائمة على فتاوى دينية تبرر وباسم الدين لفئة ما استخدام آلة القتل حيث تصل إليه دون رحمة للأبرياء فهذا قد يجرنا إلى مسألة أخطر بكثير من عملية القتل نفسها؛ لأننا بهذه الصورة نعطي لكل من لا يماثلني أو يوافقني الرأي والمذهب الحق في تقرير مصيري ومصير الآخر كما يعطيني أيضا ـ وفق ما قد أفتيه بنفسي ـ الحق في تقرير مصيره ومصير الآخرين وبالشكل الذي أراه صحيحا! أي بمعنى آخر: تصبح الأمور فوضى.

وهذا ما كادت تؤول إليه الأمور في الجزائر. واليوم وبعد التصويت على ميثاق السلم والمصالحة الذي حصل على موافقة 97؟ من الشعب الجزائري، والتفاؤل بعودة الأمور إلى المصالحة الشعبية والتخلي عن السلاح والعنف، حتى ولو أن ذلك لن يتحقق مئة في المئة، نجد أنفسنا أمام قضية مهمة جدا لا تنطبق على الجزائر فحسب، وإنما على جميع الجماعات المسلحة أينما وجدت والتي تقاتل ببسالة لا مثيل لها ولكن ضد شعوبها نفسها!

إن جميع تلك الجماعات وعلى مر التاريخ لم نسمع في يوم ما أنها استطاعت أن تنتصر في معاركها ضد شعوبها التي تنتمي إليها، وينتهي بها المطاف إلى الشعور بالخيبة وفي بعض الأحيان الإحساس بالذنب! فلا هي انتصرت ولا هي تستطيع إعادة الحياة لهؤلاء الذين ذبحوا على أيديهم.. وخاصة إذا توصلت هي بنفسها إلى قناعة داخلية بضرورة التخلي عن العنف كوسيلة للحوار مع المجتمع الذي تنتمي إليه!

ومما يؤسف له أن يتكرر المشهد الجزائري نفسه في العراق وفلسطين. فحينما ينتقل الصراع من مواجهة للمحتل إلى مواجهة دامية بين أبطال المقاومة أنفسهم، فإن الهزيمة مكتوبة على الجانبين لا محالة. فالشعب العراقي أثناء حكم صدام وبكل فئاته ومذاهبه وطوائفه كان يحلم بأن يصبح في يوم ما قادرا على تحديد مصيره بنفسه.

وعندما تحقق شيء من تلك المعجزة - حتى ولو أنه تم باستخدام قوى خارجية نرفضها جميعا ولكن قبلها معظم الشعب العراقي لعدم وجود وسيلة ممكنة أخرى - وبدلا من مقاومة المحتل الذي جاء لتحقيق مصالحه الإستراتيجية على حساب قيمة وحرية الإنسان العراقي، انتقل الصدام إلى داخل المجتمع العراقي نفسه.

إن تلك الجماعات المقاومة في اتجاه معاكس لمفهوم المقاومة المتعارف عليه عالميا، قد قتلت باسم الإسلام من مسلمي العراق عددا يكفي لتشكيل جيش بأكمله. كل ما في الأمر أنها اعتمدت على تكتيك خاطئ تحول من خلاله إلى آلة قتل لا أكثر. فمن الواضح أن حساباته غير مبنية على أسس منطقية سليمة. إن أبسط العمليات الانتحارية (والمسلحة بشكل عام) تهدف أساسا إلى زعزعة ثقة العدو بقدراته الحربية المنظمة ومن ثم القضاء عليه.

بينما ما يحدث اليوم هو العكس تماما: فقد خسر الشعب العراقي الثقة بنفسه وبقي عدوه الأساسي مستغلا لفرصة ما كان يحلم بها لو أن جميع طوائف وفئات الشعب العراقي اجتمعت عليه! أما أن تعتمد الجماعات الإسلامية على فتوى شرعية خاصة بها ملخصها أن كل من يقف في العراق مع الولايات المتحدة فهو كافر وخائن ويستحق القتل، فإننا نتساءل كيف يمكن لانتحاري أو لمن يفجر عربة مفخخة في شارع عام ويقتل المئات من الأبرياء أن يميز من بين المارة بين من هو مع الولايات المتحدة ومن هو ضدها!

فالقنبلة لا تفرق بين شيعي وسني وكردي. وما هي ردة فعله يا ترى لو أنه اكتشف بعد تلك العملية أن نصف من قام بذبحهم هم من مؤيديه ومن طائفته؟ أما الخطأ الآخر في مثل تلك الحسابات فيتلخص في أنه حتى ولو بافتراض أنه كسب المعركة، واستطاع أن يتسلم زمام الأمور، فإنه في حقيقة الأمر لم يقم إلا باستبدال دوره مع خصمه لا أكثر. لأن الجماعات التي كان يحاربها ستتحول هي أيضا إلى مقاومة ضده.

كما حصل في أفغانستان، وهكذا تظل تلك الدائرة الجهنمية مستمرة في الدوران دون توقف إلى أن يعترف كل طرف بأنه لا حل إلا بإلقاء السلاح وبالمصالحة الوطنية! تماما كما حدث قبل أيام في الجزائر!وما هو أغرب مما يحصل في العراق، ما يحصل في فلسطين بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة! فالاشتباكات التي وقعت في الأسبوع الماضي في غزة بين الشرطة الفلسطينية وحركة «حماس» تنذر ببداية انتقال المواجهة إلى داخل المجتمع الفلسطيني نفسه!

جامعة الإمارات