«ما تقولش إيه إدتنا مصر.. قول هندي إيه لمصر» مطلع أغنية بالعامية المصرية للمطربة التونسية عليا، غنتها قبل أكثر من 30 عاماً استمعت إليها قبل يومين في إذاعة الأغاني المصرية بمناسبة الاحتفال بذكرى انتصار أكتوبر 1973. مطلع هذه الأغنية يشير، كما هو واضح إلى الحب الصافي والعذري للوطن، الحب بلا مقابل، العطاء في أقصى صوره وتجلياته، تطبيقاً لنظرية فريد الأطرش «الحب من غير أمل أسمى معاني الغرام».
ويقال، والله أعلم إنه حتى هذه الأغنية ليست مصرية تماماً، ففكرتها مقتبسة من مقطع في خطاب شهير للرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي قال فيه «لا تسألوا ماذا اعطتنا أميركا.. بل ماذا سنعطي لأميركا». في مصر، كما في أماكن كثيرة، كان يمكن فهم سر هذا الحب، وهذا الوله، فالوطن الذي أحبه بلا مقابل، كان يوفر لي التعليم المجاني، والعلاج المجاني والسلع والخدمات بأسعار مناسبة،
والأهم من كل ذلك كان هذا الوطن يوفر لي العزة والكرامة، وبالتالي كان لزاماً علي وعلي الجميع أن نفديه بكل ما نملك.السؤال الآن لا يتعلق بمصر فقط، بل يمكن طرحه عربياً، بل وعالمياً، وهو: هل لا يزال هذا المفهوم قائماً، أي مفهوم، إن العلاقة بين المواطن والوطن هي علاقة حب من طرف واحد؟
الأزمان تتغير والمفاهيم أيضاً، وحتى مفاهيم السيادة والحدود والجنسية بمعناها القديم آخذة في التغير، خصوصاً بفعل العولمة التي جعلت بعض النخب القليلة تسرق أوطاناً بأكملها. وفي وطننا العربي، على سبيل المثال، فإن الشباب الذين لا يجدون فرص عمل لا يجلسون بجانب الحائط للتغزل في هذا الوطن، بل يتجه جزء منهم إلى إدمان المخدرات، أو إدمان الحركات المتطرفة والاندماج فيها، أو الانكفاء والانطواء على ذاته ليصبح مواطناً عدمياً.
إذن عندما يكون الوطن ناهضاً ومتقدماً بفعل قيادته ونخبه، فإنه يدفع كل أبنائه لكي يقدموا له كل ما يملكون. العكس ليس صحيحاً، بمعنى أنني لا أحب وطني لأنه غني أو فقير، أو لأنه متقدم أو متخلف، المعنى المقصود هو أن حكومات كثير من البلدان تدفع مواطنيها أحياناً لكي يكفروا بأوطانهم، بل صار البعض من شدة يأسه يتمنيِ الاحتلال الأجنبي باعتباره أفضل من «الاحتلال الوطني»!
لسوء الحظ ان عدد الشباب العربي الذين يخلطون بين الحاكم والوطن يتزايد، وبعضهم كل أمله وحلمه أن يهاجر، بعد أن يئس تماماً من العيش بكرامة داخل وطنه. هؤلاء لم يعودوا يؤمنون بنظرية الحب من طرف واحد، ويصرون على أن يبادلهم الوطن حباً بحب.
صحيح أن ممارسات بعض الحكومات كفيلة بأن تجعل العاقل يفكر في الهجرة، ولو إلى موزمبيق أو ليسوتو، لكن الأوطان في النهاية ليست هي الحكام، هم راحلون والأوطان باقية ومهما كانت الصورة قاتمة أو بائسة، فهذه أوطاننا، ولا نملك لسوء الحظ أو لحسنه إلا أن نحبها أو كما غنى محمد عبدالوهاب «حب الوطن فرض عليّ».