في اعتقادي ليس هناك ما يمكن أن يُعبّر به الإنسان العادي، أو حتى ذلك الذي يمتلك أدوات القراءة، لو حاول الحديث عما يحدث في العراق هذه الأيام من القتل والتخريب والإبادة الجماعية والجوع، في بلد يفترض فيه الغنى؛ ببساطة لأن الذي يحدث في العراق قد تجاوز الكثير من الدلالات التي نعرفها عن الحروب وعن الصراعات أو الأطماع أو الاستعمار.
أو أي من هذه الأمور. إن الذي يحدث في العراق صفعة قاسية على وجه الإنسانية، صفعة توقظنا على الإحساس المرعب بالحجم الهائل للتفسخ الذي وصلت إليه البشرية. إنها صفعة تضعنا مباشرة في مواجهة السؤال حول الإنسان وعلاقته بنفسه وبحضارته وبدلالة وجوده في الكون. فالذي يحدث في العراق تجاوز،
كما قلت، مفهوم الحروب والصراعات، حتى تلك التي تقع ضمن منظور ما أسماه صمويل هنتنغتون بـ «صدام الحضارات»، فهو شيء اقرب إلى الكارثة التي آلت إليها الحضارات المادية في تعاملها مع الإنسان، أو ربما شيء أقرب كثيرا إلى ما يشبه حالة تفسخ وتآكل الجسد الإنساني.
إن من المعروف أن حضارة بلاد الرافدين هي أقدم، أو هي واحدة من أقدم الحضارات على وجه الأرض. وهي الحضارة التي أعطت البشرية الكثير من المناهل والروافد في مجالات العلوم المختلفة، كعلوم الفلك والتنجيم والقانون وغيرها. وهي الحضارة التي علمت الإنسان، كما تشير إلى ذلك كتب التاريخ، الكتابة، ففيها وجدت ألواح الكتابات القديمة التي حملت القوانين مثلما حملت السير.
ومن هذه الحضارة أيضا ظهرت أدبيات الملاحم، كملحمة كلكامش، والتي وضعت لنا الكثير من الرؤى حول النفس البشرية وما يخالجها من هواجس وما تحمله من تطلعات. فهل الأمر، كما قال أحد المفكرين العراقيين الذين قرأت لهم ذات مرة، متعلق بأسطورة الأفعى التي تلدغ ذيلها؟ أي تبدأ في أكل جذورها سعيا نحو فنائها. والذي عنى به أن الحضارات الحالية، الغربية تحديدا، تحاول بفعلتها هذه أن تفني جذورها أو بداياتها، ربما نكراناً أو جنوناً.
ليس هناك من قراءة في اعتقادي نحاول بها تفسير ما يحدث أفضل من النظر في هذا البعد الحضاري. ربما لأن أبعاد هذه الحرب تطرح علينا مثل هذه المواجهة. وذلك لأنها تحمل أكثر من كل الدلالات العادية التي يمكن أن نفسر الأمور بها. إننا لو قلنا مثلاً إن هذه الحرب لها علاقة مباشرة بالأطماع الاستعمارية والسيطرة على النفط، وهو أحد التفسيرات المنطقية لها،
لتجاهلنا جانباً مهماً من جوانبها، ذلك الجانب المتعلق بمحاولة الكشف عن نوع الإنسان الذي يقوم بها والركائز التي تقوم عليها حضارته. كما أن التبرير الذي يقدمه الغرب لهذه الحرب، والقائم على القول إنها حرب وقائية من جانبه يقصد من ورائها الحد من الأخطار التي قد تهدد استقراره وأمنه، سنجد أنه هو أيضا تبرير غير كاف لهذا الكم الهائل من الدمار الذي تحدثه آلياته ويحدثه أفراده، سواء للبشر أو للطبيعة.
فهو لا يبرر بطبيعة الحال استخدام الأسلحة المسماة بغير المشروعة، ومنها قنابل اليورانيوم المنضب وغيرها، كما لا يبرر التدمير المنظم لكل البنى التحتية لذلك البلد، ولا يبرر هذا الرقم المخيف في عدد وفيات الأطفال بسبب القتل أو بسبب النقص في الغذاء، وهم أبناء بلد غني، أو النقص في العلاج في بلد به عدد من المعالجين يسد حاجته، إلى آخر ما يمكن أن نعدده من تدهور في حساسية الإنسان تجاه ما تعنيه الحياة لإنسان آخر.
إن التدمير الذي حدث ويحدث للإنسان أو للتراث المادي العراقي، وفق القراءة التي ذكرناها، لا يعتبر تدميرا عشوائيا، أو أنه جاء كنتيجة طبيعية للحرب، بل هو تدمير منظم، تدمير يقصد به شيء شبيه بذاك الذي قصده ذلك المفكر العراقي حين قال إن الحضارة الغربية أفعى تلدغ ذيلها، ربما لأنها تظن أنها بذلك الفعل تنفك عن ذلك الارتباط سعيا لما يوصلها للقول إنها لا تنتمي لغير نفسها؛ غير مدركة أنها بذلك إنما تنهي نفسها أيضا، لأن ما تنفك عنه أجمل بكثير مما آلت إليه.
أي أن فعل فكاكها يدمرها من حيث أنه يفصلها عن تراث أثري مما صنعته، وبالتالي يعرضها للخواء وللتبدد. علاوة على ذلك، إن ما نقرأه فيما يحدث للعراق يغير بالضرورة من الاعتقاد أن إنساناً ما سمي بـ «العالم المتحضر» أي الغرب تحديدا، هو شخص أكثر رقيا من إنسان الشرق. إذ تكشف لنا هذه القراءة،
وبصورة صارخة من خلال هذه الحرب، إن ذاك الإنسان لم يصل للرقي المطلوب ولم تدمغ دواخله حضارة عظيمة مبنية على إدراك ما تتطلبه الحياة من شروط أساسية لها لكي تقوم على التوازن والاستمرار. إنه إنسان يتكشف عن كونه أكثر شراسة في إفناء الآخر وأقل حرصا على الحياة، وبعيدا عن قبول الاختلافات التي يدعي القبول بها ويطالب العالم، والذي هو متقدم عليه فيها، قبول رؤيته حولها أو فرضها عليه.
نحن ندرك، وبالذات كأشخاص معنيين بشؤون الإعلام، أن ما يحدث في الواقع على أرض العراق يفوق بكثير ما يصلنا منها. فعلى سبيل المثال، يتناقل العراقيون المتصلون بأرضهم أو الموجودون فيها قضية خطيرة تتمثل في عملية إفناء العلماء والأطباء وغيرهم، ولا أقصد بطرح هذه المسألة أن حياة الإنسان العادي هي أقل قيمة من حياة أولئك، لكن حتما للمسألة دلالاتها الممثلة في إبادة الكيان المتعلم الذي تعبت العراق في إنشائه وتغذيته. وفي السعي نحو تفتيت العراق من الداخل بحيث لا يتسنى له النهوض أبدا وهو معافى.
وأخيرا، لو تسنى لأحدنا أن يجلس بعيدا عن كوكب الأرض على مجرة أخرى ويراقب الذي أحدثته هذه الحرب، بالذات في الأراضي العربية، لرأى الكثير من المفارقات، المفارقات لا يمكن وضع تصنيف لها ضمن أي شكل من أشكال المنطق. ففي بقعة من البقاع التي يشاهدها سيرى مجموعة من البشر تُمزق أجسادها،
وفي أخرى سيرى أطفالاً يداسون في الليل بعربات لا يعرف سائقوها، وفي أخرى سيرى نساء عربيات يبعن أجسادهن على الأرصفة بعد أن هتك الفقر وهتكت الحروب أي معنى للكرامة أو الحياة لديهن، وفي طرف آخر سيرى مجموعة من البشر، ربما هم من أقارب المجموعات الأولى، يتسلون في الملاهي الليلية أو يستمعون للأغاني الرخيصة والمبتذلة التي تبثها الكثير من المحطات العربية، ثم يتحدثون بعد ذلك عن العادات والتقاليد والقيم والحرص على تربية الأبناء وفقا لها.
سيرى أيضا أطفال من العرب يموتون من الجوع وآخرين تنخر أجسادهم أمراض السمنة. هذه هي الصور التي سيراها، وهي بعينها الصور التي تنتج عن تفسخ الحضارات، وهي الدالة على أن الكثير من البشر في هذا العصر لم يصلوا إلى الأهداف التي وضعها لهم بعض النبلاء، والمتعلقة برقيهم، بل سيرى تدهورهم إلى حضيض الحياة.
إن ما يحدث في العراق حتما لا يعني العراق وحده، ولا العرب وحدهم. لأن ما يحدث في العراق هو كشف صريح لعورة الحضارات العدوانية، الحضارات التي قامت أصلا على إفناء الآخرين ونهب ثرواتهم. ترى لو تسنى لبدر شاكر السياب أن يقول لنا قصيدة اليوم، هل يقول في البشرية ما قاله يوما في الخليج «أصيح بالخليج يا خليج، يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى، فيرجع الصدى».
جامعة الإمارات