دعوني أتساءل: هل سيختفي التضليل الإعلامي وينتهي تزييف الحقائق في القرن الواحد والعشرين عند العرب؟ هل سيكون الإعلاميون العرب أكثر صدقا مع أنفسهم قبل ان يكونوا صادقين مع غيرهم؟ هل ستختفي النزوعات الأيديولوجية والعصبية والتطرف من الحياة العربية؟

لقد عاش العرب على امتداد خمسين سنة ومنذ الحرب العالمية الثانية عدة حالات من التضليل والتشويه والتزييف وقلب الحقائق والشتم والقدح والاستهزاء بالعقل العربي وخصوصا إبان الأزمات عندما يجد الكذبة والدجالون فرصتهم ليقوموا بهذه المهمة على أحسن ما يرام..

لقد قام سدنة التضليل الإعلامي العربي بادوار غاية في الخطورة عندما أوهمت الناس بالانتصارات والأوهام وتحويل الهزائم إلى مجرد نكسات عادية وانعدام الشعور بالمسؤولية، فمني تاريخنا بكوارث كانت تهز الضمير العالمي في حين يحتفل العرب بما حققوه من انتصارات كبرى!

كنت قبل أيام في حوار مع الأخ الدكتور عبد الرحمن الراشد حول موضوع التضليل الإعلامي العربي الذي أساء جدا لثقافتنا العربية الحديثة لأكثر من خمسين سنة مضت. وكانت الظواهر الإعلامية بل الدعائية.

ولم تزل، تستخدم التضليل كثيرا في تعاملها مع القارئ والمستمع والمشاهد الذي ظل يثق بها حتى اللحظة الأخيرة أيام الأزمات والمحن، بل وأنها كانت ولم تزل تؤثر على انحرافات الرأي العام، اذ نجحت بجعل الناس تعتقد أن كل الأكاذيب حقائق.. ويبقى المضللون من الرواد وكأنهم سدنة لتلك المفبركات من دون ان يعترفوا بخطاياهم وآثامهم بحق الثقافة السياسية العربية!

ولكن يبدو ان زمننا الجديد يشهد تغييرا جديدا ووسائل معلوماتية واسعة وتكشفت للناس جملة هائلة من الحقائق، وبانت الهوة العميقة بين الأقوال والأفعال وبين الادعاء والواقع.

وبدت مسائل التضليل وصناعة المعلومات واختلاق الأوهام قد أنتجت في ثقافتنا العربية أنماطا من أساليب الإساءة والتشويه والخداع.. فضلا عما كان يدور على الألسن القيادية والنخبوية وحتى الجماهيرية من شتائم مقذعة وسباب رخيص بحق هذه الدولة وذاك الحزب أو تلك العاصمة أو ذلك الزعيم.. الخ.

لقد تبدلت السياسات الإعلامية العربية اليوم وعلى الرغم من وجود التضليل الإعلامي وضخ المهترءات وخلق الأوهام، إلا ان الثقافة الإعلامية العربية لم تعد حكرا على السلطات (الثورية) العربية وان الرأي العام وحركة الشارع السياسي العربي لم يعد تصنعهما أجهزة سلطوية أو مخابراتية مثلما كان الأمر على عهود الجمهوريات الثورية أو الانقلابات العسكرية أو الأحادية الحزبية.

.. الأمر الذي يتيح لرموز التضليل قدراً كبيراً من التأثير على الرأي العام والقيادات السياسة في آن معاً. ومورست ثقافة الشتم والسب والقدح بين العرب سياسيا وإعلاميا بطريقة مهينة ومن دون أي إحساس بالذنب، خصوصا عندما يرد ذلك على السنة زعماء كبار وليس فقط في الإذاعات والصحف والمجلات.

السؤال الآن: ما الذي أحدثته بعض تلك الرموز الإعلامية في تاريخ السياسة العربية؟ وما تأثيراتهم السيئة على تطور المجتمع العربي في ظل هيمنتهم على مواقع الإعلام في بلدانهم، أو حتى نشرهم لكتب خادعة مليئة بالأكاذيب والافتراءات؟ وهنا لابد من الدعوة جهارا نهارا إلى ان يصحو العرب من هجودهم .

وتخدير أولئك الذين لعبوا بعواطفهم وعقولهم واججوا مشاعرهم وأثاروا حماستهم.. وفي كل مرة يوصلونهم إلى ذروة الانتصارات، وفجأة يصحو المرء فيجد الكارثة تتلو الكارثة من دون التفكير بمحاسبة المضللين والكاذبين والمارقين وصناع الأوهام.. وهنا لابد من وقفة لمناشدة اللاعبين الأساسيين في صناعة التضليل وتزييف التاريخ أن يقولوا كلمة سواء للتاريخ ويعتذروا عما فعلوه.

صحيح ان التضليل موروث راسخ في الثقافة السياسية العربية، إلا انه وصل أوج قوته في النصف الثاني من القرن العشرين، اذ استوردت الشعارات الفارغة عن العالم الاشتراكي وذبح الناس حناجرهم بأوهام لم تتحقق.. وتأثرت السياسات والإعلاميات العربية بمجريات الحرب الباردة وصراع الإذاعات والكتابات.

. ونقلت تجارب غريبة لكي يطبقها العرب في بعض البلدان سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا ففشلت فشلا ذريعا.. ودّمرت مجتمعات عربية ثقيلة نتيجة لسياساتها السيئة وتربية أبنائها على المضللات والأكاذيب والشعارات والطوباويات الفارغة والتصفيق ويعيش ويسقط وعلى الهرج والمرج.

لقد عاش جيلنا نحن عملية مخادعة إعلامية لتشويه الحقائق وإبرازها بغير الصورة التي هي عليها، فهي سياسة إعلامية مخطط لها ويراد لها أن تخدع الجماهير بتشويه الحقائق وإضفاء صفة العظمة واستعارة مفاهيم ومصطلحات قد لا تكون أساسية أو حقيقية وإشغال الجماهير بها، وليس خداعها فحسب، وإنما خداع القيادات السياسية وصنّاع القرار بمعلومات مشوهّة. فكان ان ترتّب على ذلك نتائج وخيمة أضرت بكل المصالح العليا للعرب كلهم.

لقد كان استغلال هذا الجانب وتضخيمه قد خلق أباطرة دعاية وإعلام، وخصوصاً إبان الأزمات والحروب من خلال احترافهم فن الدجل والكذب الإعلامي. وهناك من يصر على (نزاهة) هذه المخادعة و(روعة) هذا التضليل حتى يومنا هذا، دون أن يعترف بأن دمارا قد أصاب حياتنا نتيجة مؤثرات تلك التضليلات التي تسرق الجماهير.

وأخيرا: كيف يمكن معالجة التضليلات الإعلامية؟ أقول: لابد من دور معلوماتي وإجرائي بحت والالتزام بالجانب القانوني، وأملي في الإعلاميين العرب أن لا يتخذوا بعد اليوم أصناما ورموزاً، وأن يلتزموا قانونياً، وأقول أيضا:

بأننا سوف لن نخرج بإعلام ملتزم ومتطور بهذه السرعة إذ أننا نحمل بقايا ورواسب خمسين سنة من الإعلام المضلل، ولكن أعتقد أن عشرين سنة قادمة إن استطعنا أن ننهض بإعلامنا وبتوجيهنا الجيل الجديد.

فسيكون أفضل بكثير من الأجيال التي سبقته، فملايين العرب ما زالوا لحد الآن يلوكون الهزائم انتصارات أو يتفانون في البحث عن مسوغات لها من دون أي إحساس بالخذلان.. فهل ستختلف الأجيال القادمة عن أجيال سابقة؟ إنني اعتقد ذلك، ولكن بعد زمن طويل!

مؤرخ عراقي