صار الحديث عن التوطين أشبه باللغز الذي لا حل له في مؤسساتنا ودوائرنا المحلية، كما صار في الوقت نفسه شبيهاً بالكرة التي تتقاذفها أرجل الجميع، من دون أن يتمكن أحد الأطراف من ادخال هذه الكرة في المرمى وتسجيل الهدف الأساسي والأكبر من العملية برمتها.. ولو أننا تساءلنا لماذا.
لوجدنا أن المشكلة ليست في الكرة أبداً ـ بمعنى أنها ليست في سياسة التوطين ولا في المواطنين الراغبين والباحثين عن عمل ـ وإنما في الأشخاص الموكل إليهم المهمة من الألف إلى الياء!
المجتمع كله اليوم يتحدث عن شبابه وبناته خريجي الجامعات والكليات الذين لا يجدون فرصة عمل في وطنهم، بالرغم من توافر المؤهلات المطلوبة للعمل لديهم، وبالرغم من احتياجهم للعمل.
والأهم أن هذا العمل أو الوظيفة هي حقهم الذي كفله الدستور لهم، وتقره كل القوانين والمنطق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، مع ذلك فالشباب عندنا يعانون من عدم توافر فرص عمل في الوقت الذي تمنح فيه هذه الفرص لغيرهم من غير أبناء الوطن، فما هي حقيقة المشكلة إذن؟
حين تستمع لمسؤول معين تجده يتحدث عن التوطين وعن استعداده لتوظيف الشباب المواطن وكأنه سيحل المشكلة في غضون 24 ساعة، لكن حين تضعه على محك التجربة، تجده يخترع ألف سبب وسبب لعدم توظيف المواطن وإحلال آخر غير مواطن محله..
وحين تفكر جيداً في هذه المفارقة تكتشف أن للمسألة أبعاداً شخصية ومزاجية بحتة إضافة لعلاقات شخصية وتدخلات من هنا وهناك وخواطر وتوصيات وصداقات وسهرات و.. إلخ وأن المسألة لا علاقة لها بعبقرية غير المواطن، ولا بعدم مؤهلات المواطن! إذن فما هو الحل.. ما هو المخرج؟
أعتقد أننا سنظل ندور في الدائرة نفسها لو أننا تركنا القضية في أيدي الأشخاص المزاجيين وأصحاب العلاقات الخاصة وغير المعنيين بالتوطين كقضية وطنية بالدرجة الأولى.
وعليه فيجب أن ترفع أيدي المسؤولين في المؤسسات جميعها عن موضوع التوطين والتوظيف والتعيين، يجب أن تكون هناك جهة مستقلة تماماً (ولا أقصد بها «تنمية» أبداً) تكون لها سلطة التوظيف بحسب الاحتياجات الخاصة بكل مؤسسة وعلى أساس الكفاءة أولاً والكفاءة أخيراً!
نحن لا نطالب بتوظيف الشباب الإماراتي في وظائف المؤسسات والدوائر المختلفة لأنهم مواطنون فقط وبعيدا عن شرط الكفاءة والمؤهلات، لكننا أيضاً نستغرب ألا تتوافر هذه الكفاءة وهذه المؤهلات في شاب أو شابة من خريجينا وصلوا لنهاية المرحلة الجامعية.
ونالوا حظاً وافياً من علوم اللغة الإنجليزية والكمبيوتر والتدريب، فكيف لا يكونون مؤهلين لشغل وظيفة ما، في الوقت الذي تذهب فيه الوظيفة نفسها لآخرين ليست لديهم أي علامة فارقة في التفوق والعبقرية!
نحن لا نقول ذلك من فراغ، ولكن ذلك ما يحدث بالفعل في كثير من المؤسسات إلى درجة أن البعض يشعر بأن هناك ما يشبه المؤامرة على سياسة التوطين جملة وتفصيلاً لأنها ضد مصالح البعض، وللأسف فإن هذا البعض أفتى وتغنى بالتوطين وقال فيه أكثر مما قال مالك في الخمر! مجرد دعاية لا أكثر ولا أقل.
sultan@dmi.gov.ae