بعد بضعة أيام من الفيتو الذي أعلنه أرييل شارون ضد مشاركة حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية شنت القوات الإسرائيلية حملة قوية ضد عناصر الحركة وبُناها قصفاً وقتلاً واعتقالاً.. ويشي هذا التطور بأن إسرائيل ما عادت تصطبر على منهجية السلطة الفلسطينية في التفاوض مع حماس وأخواتها من فصائل المقاومة المسلحة..

وأنها لا تري غير استخدام القوة العارية سبيلاً لنزع أسلحة هذه الفصائل، واستئصالها وتدمير بنيتها التحتية إن أمكن، وتحتج إسرائيل وبعض الأوساط المحازبة لها، بل وقطاعات فلسطينية أيضاً، بأنه لا مسوغ قانونياً لوجود السلاح في أيدي قوى أخرى غير السلطة، لأن ظاهرة كهذه تفضي إلى ازدواجية صناعة القرار والفوضى وانتهاك حرمة السيادة على الصعيد الفلسطيني.

غير أن أصحاب هذا التكييف يقاربون قضية النظام والسيادة والحكم في الأراضي الفلسطينية المختلفة بمنظور الحالات المعتادة، حالات الدول المستقلة.. الأمر الذي لا يجوز ويحتاج إلى تأملات أعمق. فالمعنى الأكثر مقبولية ورواجاً للسيادة أن الدولة هي التي تتولى حماية أمنها وأمن المقيمين عليها.

ولهذا فهي تحتكر أدوات الإكراه، التي تضمن بها تنفيذ أوامرها وقراراتها جبرياً. والجهة التي تسهر على هذا المعنى وتبلوره في الواقع المنظور هي الحكومة التي تحقق الوحدة السياسية للدولة ومع ذلك قد تتغير الحكومات لكن السيادة تبقى حقيقة دائمة لا تقبل التجزئة ولا التفويض أو القسمة.

هذا التعريف هو الذي يكمن في ذهن القائلين بأحقية الدولة، والمقصود الحكومة عملياً، في معاقبة أو حتى محاربة أية قوة تنصب نفسها بديلاً منها في استخدام مظاهر القمع وتطبيق القانون أو أخذه بيدها. وهو قول يحظى بصحة نظرية يصعب التشكيك فيها. غير أن صحته في التطبيق مرهونة بمحددات صارمة داخلياً وخارجياً.

المحددات الداخلية تتصل بالأسلوب الذي وصلت به نخبة الحكم إلى موقعها، ومن خلاله راحت تتحدث عن أحقيتها في ممارسة السيادة باسم الدولة. وهذا ما يمكن التعبير عنه إيجازاً بمصادر شرعية هذه النخبة على الصعيد الشعبي. والقاعدة هنا انه كلما افتقد الحكام للمصدر الديمقراطي وإجراءاته المعلومة بالضرورة (الانتخابات العامة في طليعتها)، كلما اتسعت فرص بروز قوى تجرح صدقية هذه الأحقية وتطعن فيها.

أما المحددات الخارجية، فمحورها مفهوم الاستقلال. إن استقلال الدولة عن أية ضغوط خارجية «إكراهية» هو الوجه الآخر لمعنى السيادة، وعلى هذه العلاقة الارتباطية العضوية يقوم التمييز بين دول مستقلة ذات سيادة كاملة وأخرى منقوصة السيادة كتلك المشمولة بالحماية أو التابعة أو الخاضعة للإشراف الدولي.. وبالطبع فإن احتلال الدولة بالقوة العادية وتقويض بنيتها المؤسسية السياسية أو المدنية أو كلتيهما معاً، يجعل الحديث عن ممارستها للسيادة لغواً.

السيادة والحال كذلك لا تُلغى ولا تُستأصل ولا تخضع للشطب والإزالة، لكنها عرضة للحجب أو الاغتصاب بوسائل مختلفة ومن مصادر متباينة، بعضها داخلي والآخر خارجي. لعل أكثرها قسوة وأقلها تكراره في التجارب، قيام قوة (دولة) خارجية بالاستيلاء عنوة على دولة أخرى وإلحاقها بها أو ضمها إليها بالكامل، أي ابتلاعها في جوفها وإدعاء غيابها كلياً من الخريطة الدولية. السيادة إذن شيء وممارستها شيء آخر.

السيادة تكمن دائماً في الإدارة العامة لسكان الدولة. شعب الدولة هو صاحب السيادة، فيما السلطات السياسية هي المعبر عنها باسم هذا الشعب. والسلطات التي تنهض على غير إرادة الشعب، لا يحق لها هذا الفضل، وتمسي تصرفاتها ومخرجاتها معرضة للنقد أو النقض، صعوداً إلى شد الطاعة عنها أو التمرد عليها ومنازعتها في دعوى تمثيل السيادة.

ولا يعدم الأمر تطور هذا التنازع إلى العصيان المدني أو المسلح، وتبلور قوى ترى في ذاتها الأهلية للحكم وفرض رؤاها القانونية والسياسية، بديلاً من السلطة المغتصبة أو التي تراها مغتصبة للحكم ومن ثم للسيادة. كأن الحديث عن وحدانية السلطة والقرار والبندقية والقانون والسيادة، يستدعي كشرط قبلي شارط، النظر في مدى شرعية ومشروعية المتحدث.

ويتحدد هذا المدى بناء على الاقتراب والابتعاد من المصدر الأولي لهذه الشرعية والمشروعية وهو الإرادة الجمعية للشعب. وحتى الآن لم يبدع الفقه السياسي ولا الخبرات الإنسانية ما هو انجح من «الانتخابات العامة» كوسيلة للكشف عن هذه الإرادة.

على أن اللجوء إلى هذه الأداة الكاشفة يحتاج بدوره إلى ضمانات للنزاهة ومنع التحايل والتزوير. وتلح هذه الحاجة أكثر في الحالات الصارخة لاغتصاب السلطة والتصارع عليها. ولعل الاحتلال الأجنبي، مهما كانت العباءات التي يتدثر بها أو العناوين التي يختفي خلفها هو الحالة الأبرز في هذا المقام.

إن نزاهة العملية الانتخابية ووجود الاحتلال ضدان لا يجتمعان. وإذا كانت السلطات (الوطنية) الناشئة عن انتخابات تجرى في ظل الاحتلال، محلاً للريبة في صحة أهليتها وسلامة تعبيرها عن الإرادة الشعبية، فإن السلطات (الحكومات) التي تنشأ تحت الاحتلال بغير انتخابات أدعى لإثارة هذه الريبة.

وعليه لا يجدر بمثل السلطات المقاومة أو المنبعثة وفقاً للحالة الأخيرة، التلظي بطلب الخضوع لها والإذعان بذريعة وحدانية السلطة والقرار والقانون.. لا منطق العملية السياسية السوية، ولا شروط قيام وقعود النظم الديمقراطية، ولا معنى التمثيل الصحيح للسيادة والتعبير عنها يسمحون بالاستجابة الصاغرة لهذا المطلب.

ولو كان الأمر على غير ذلك، لكانت كل السلطات التي أقعدتها القوى الاستعمارية على قلوب الشعوب المستعمرة واجبة الطاعة، ولما عرف فقه الاستعمار والتحرير مفهوم الحكام الدُمى والحكومات العميلة.. وقبل هذا وبعده، لصح وصف حركات التحرير والمقاومة بالانشقاق والتمرد وانعدام الولاء والتبعية للخارج.. الخ.

وحدانية السلطة وما يستتبعه من «وحدانيات» على صعد القرار والقانون والإدارة وأدوات العنف وامتلاك السلاح.. الخ، هذا المفهوم يتمتع بإغراء لا يقاوم. إنه من أهم تجليات سيادة الدولة (الحكم).. بيد أن هذه الجاذبية يجب ألا تشغل الخاطر عن مرجعية المدعين به ومصادر شرعيتهم، وحجية المدعين عليهم وضدهم ومساحة الرضا الشعبي عنه.

وهذه لعمرك قضية لا تعز على القياس إذا ما احتكم الجميع لصندوق الاقتراع الحر.. ولكن كيف يجرى ذلك في «فلسطين» فيما قوة الاحتلال إسرائيل تتخذ من إراداتها مرجعية عليا لتحديد من يحق أو لا يحق له المشاركة؟!

كاتب فلسطيني