تركيا تذكرنا بالنظرية الجيولوجية المعروفة: تحرك القارات! و من الصدف أن تركيا تقع هي نفسها على قارتين متناقضتين في كل شيء! وإذا صحت النظرية، فإن مضيق البوسفور ـ وهو الحد الفاصل بين تركيا الشرقية والغربية ـ قد يتسع فتزداد الهوة بين جانبي تركيا أو تضيق أكثر فأكثر فتختلط الأمور فلا تكون تركيا شرقية ولا غربية.
وتركيا تعيش منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك حالة من الشد والجذب بين القلب والعقل. فبينما مصالحها تدفعها نحو الغرب المتحضر، تبقى حضارتها الإسلامية الضاربة في أعماق الإنسان التركي - ورغم كل محاولات طمس هذه الملامح - متلفتة إلى ناحية الشرق.. ناحية القلب إذا شئنا.
وهذا النزاع الداخلي لا حل له لأن الأمور ليست بتلك السهولة التي قد نتصورها. فليس من السهل على تركيا أن تمسح تاريخها الإسلامي في المنطقة وليس من السهل أيضا أن تمسح تاريخها المسيحي ما قبل الإسلام عندما كانت القسطنطينية منذ انشقاق الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع إلى شرقية وغربية تمثل الجانب الشرقي من الإمبراطورية وتصبح اسطنبول عاصمتها.
إن محاولة كمال مصطفى أتاتورك توجيه الشعب التركي قلبا وقالبا إلى ناحية الغرب (وهو امتداد لمحاولات سابقة لتحديث تركيا) بعد أن عاش قرونا طويلة يمثل الجانب الروحي للدولة الإسلامية، وضعه في موقف لا يحسده عليه أحد. إن مجرد إحلال الحروف اللاتينية بدلا من الحروف العربية الروح الفارسية الشكل كان كفيلا بترك آثارها السلبية على سيكولوجية الإنسان التركي.
إن التحول من الكتابة من جهة اليمين إلى الكتابة من جهة اليسار وبحروف غير إسلامية فرضت عليه فرضا من قبل رجل واحد، ليس بالأمر الهين. إن العلمانية التي فرضت على الشعب التركي المسلم أصابت روحه بنفس الشعور الذي يمر به ربان السفينة ليلا عندما تتعطل بوصلته وتكون السماء ملبدة بالغيوم! إنه الضياع في محيط مظلم.
والذي زاد من ذلك الضياع هو أن الدول العربية بعد تمزق الدولة العثمانية وسقوطها وجدت نفسها هي أيضا في حالة فوضى ولا تعرف كيف تصرف أو تدير أمورها. وحين استقلت وضمدت جراحها التاريخية لم تلتفت إلى ما كان يحدث لدى جارتها التي حكمتها لأربعمئة سنة متواصلة، بل انشغلت بحروبها المتواصلة والمستنزفة مع (إسرائيل). بينما كانت تركيا تنزاح شيئا فشيئا جهة اليسار من الكرة الأرضية.
ولم يكن الشعب التركي قادرا على وقف كرة الثلج التي كانت تتدحرج أمامه حيث لم يكن يسنده أحد. وكان كل شيء يجري بسرعة بهدف اللحاق بالغرب الصناعي والثقافي. ولم تكن في واقع الأمر إلا إجراءات شكلية رغم استبدال التقويم الهجري بالميلادي و عطلة الجمعة بالأحد وغيرها من الأمور التي لم تمس روح الإنسان التركي.
بيد أن رجال السياسة كانوا يجرون بسرعة أكبر من رجل الشارع. فزادت الهوة بين الماضي والحاضر. وبقي الإنسان التركي العادي معلقا يلهث في منتصف الطريق. وربما بدأت المشكلة تتبلور أكثر بالنسبة له عندما تقدمت تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي. بمعنى أن تصبح أوروبية مئة بالمئة. وما تزال أوروبا تماطل وترفض ذلك بحجج واهية.
وكان الهدف هو رفض أن تنضم إليها دولة أضاعت هويتها. فقدمت تركيا التنازلات تلو التنازلات للحصول على رضا الدول التي تخلت تركيا عن أغلى ما لديها للتشبه بها! وعندما لم تفلح ظنت أن تحسين علاقاتها مع (إسرائيل) والتقرب منها سيمنحها مصداقية لدى الغرب. غير أنها رجعت بخفي حنين. وكانت لدى العرب فرصة لا تتكرر لجر تركيا إلى جانبهم وإعادتها إلى المسار الإسلامي. خاصة بعد أن نجحت الأحزاب الإسلامية في الوصول إلى سدة الحكم.
وبعد أن أبدى ساستها وفي أكثر من مناسبة عزمهم على توطيد علاقاتهم مع جيرانهم المسلمين والعرب ومساندتهم في قضاياهم وإعادة النظر في علاقاتها الخاصة مع إسرائيل (حتى ولو كان ذلك تصرفا في الأصل تكتيكيا لدفع الاتحاد الأوروبي إلى التفكير جديا بضرورة إبقاء تركيا في منأى عن التحالف مع المسلمين والعرب وبالتالي الموافقة على ضمها لاتحاداتهم!).
تماما كمحاولات الجمهورية الإسلامية من قبل والتي هي بدورها لم تجد من ينصت لها أو يستجيب لدعواتها المستمرة. ويبدو أن العرب كانوا ومازالوا مشغولين بحروبهم الداخلية وخلافاتهم الصغيرة والكبيرة عن تقوية مواقفهم الخارجية والداخلية.
وهكذا وجدت تركيا نفسها في موقف أكثر من محرج: فلا هي محسوبة على الشرق الذي تخلت عنه فتخلى عنها، ولا هي ضمن تكتلات الغرب السياسية والاقتصادية والذي تخلت عن كل شيء لأجله فرفضها! فبقيت وحيدة مقسومة بين قارتين لا نعرف ان كانتا ستلتقيان أم ستتباعدان أكثر فأكثر!
إن الزيارة التي قام بها رجب طيب أردوغان رئيس وزراء الجمهورية التركية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وإلى المنطقة تحمل رموزاً كثيرة لا بد من دراستها. وعلينا أن لا نضيع مثل هذه الفرص. وهي فرص لا تتكرر في التاريخ.. ويجب علينا كعرب وكمسلمين أن نتحرك قبل أن تضيع من يدنا دولة عدد سكانها أكثر من عدد سكان فرنسا وتعتبر من حيث المساحة الجغرافية أكبر من أي دولة أوروبية أخرى.
جامعة الإمارات