من الأشياء التي لفتت نظري، وبشكل كبير خلال فترة الصيف المنصرمة، الأعداد غير العادية للبشر الذين حضروا المحاضرات التي كانت تقدمها دائرة الأراضي والأملاك في دبي تحت مسمى «متعة العقل»، وذلك ضمن برنامجها السنوي الذي بدأته العام الماضي للمشاركة في النشاطات المقدمة لمهرجان الصيف.

لقد كان هناك دائما عدد من الحضور في هذه المحاضرات يقترب من السبعمئة أو الثمانمئة شخص، وأحيانا ربما أكثر، نصفهم تقريبا او يزيد من الرجال والنصف الثاني من النساء. وكان هذا الحضور كثير التفاعل مع المحاضرين والكثيرون منهم، وبالذات من النساء، كانوا يدونون ملاحظاتهم وما يرد من كلام على لسان المحاضر في أوراقهم الخاصة.

الذي جعلني أتفكر في هذه المسألة، أي ذاك الإقبال الكبير على تلك المحاضرات، أن الكثير من المحاضرات العامة التي تقيمها الجهات الثقافية أو جمعيات النفع العام، وبعضها مهم جدا، لا يحضرها ولا حتى ربع هذا أو عشر هذا العدد. لا بل تلغى محاضرات مهمة أحياناً في بعض الأماكن لأنه لم يأتِ إليها جمهور، أو ربما يقتصر الحديث فيها على الدردشة والكلام العام، لأن من حضرها فقط شخصان و بعض الصحافيين.

وهؤلاء، أي الصحافيون، لا يأتون للمحاضرات أحيانا لأنهم مدفوعون بالرغبة في التعرف على ما يطرحه المحاضر، وإنما هم في الواقع قد جاؤوا لأن هذا جزء من عملهم كعاملين في الأقسام الثقافية في الجرائد أو المجلات التي ينتمون إليها، وبالتالي كثير ما يقتصر حضورهم على الطلب من المحاضر أو المحاضرة أن يعطوهم ملخصا للمادة التي سيتناولونها حتى لا يتعبوا أنفسهم بالمتابعة وأخذ النقاط المهمة التي ربما ترد في الحديث.

حتى الأمسيات الشعرية التي يقيمها بعض الشعراء، وبخاصة الحداثيين لا تجد فيها أحيانا إلا بعض الأشخاص وأغلبهم من أصدقاء الشاعر. مرات قليلة فقط كنا نجد أن أعداد الحضور جيدة، وذلك في الأماكن التي ربما يكون بها اناس معنيون بالقضايا المطروحة أو منجذبون لمثل تلك النشاطات بحكم نوعية الأشياء التي ينشغلون بها، كالأساتذة والطلبة مثلا، وإن كان الطلبة أيضا قليلي الحضور، ما لم يطلب منهم ذلك بشكل إلزامي، للمحاضرات التي يكون لها طرح فكري.

لقد استوقفتني تلك الأعداد الهائلة، كما قلت، من الجمهور الذي كان يحضر على الدوام لمحاضرات «متعة العقل». لأن في هذا الحضور في نظري ما يستدعي التوقف والقراءة وطرح الأسئلة. لعلنا نقف على ما يمكن أن يشكل أداة جذب للناس في هذه الأيام،

والتي تتسم بوجود درجة كبيرة من اللامبالاة لدى الغالبية العظمى منهم تجاه كل ما هو عام، أو تجاه ما يستدعي التبصر أوالتفكر أو بذل الجهد، أوأخذ المواقف التي تعود بالفائدة على الجماعة، كالمشاركة في جمعيات النفع العام والنشاطات التي لا يوجد لها عائد مباشر على الفرد الذي يقوم بها غير الرضا عن النفس. إنني أرى أن طرح مثل هذه التساؤلات ربما يجعلنا نصل إلى شيء من الادراك حول ما يجذب الناس النشاطات العامة.

لقد تركزت معظم محاضرات «متعة العقل» حول التنمية الذاتية وتربية الأبناء التربية السليمة والكيفية التي يمكن للشخص أن يقيم بها علاقات ناجحة مع الآخرين. وهي من الأمور التي تشغل الناس، أو بعضهم، وتدفعهم للبحث في أفضل السبل للوصول إليها. كان هناك أيضا محاضرات حول الطب البديل والعلاج بالطاقة، وهي من المواضيع التي أصبحنا نجد اهتماما كبيرا بها بين الناس، وخصوصا هذه الأيام.

ربما لأنهم عانوا كثيرا من بعض النتائج السلبية للطب الحديث، أو أنهم يدركون من خلال اهتمامهم بتلك المواضيع أن هناك درجة كبيرة من إمكانية الوصول لصحة بدنية وعقلية ونفسية متوازنة تقع في اكتساب الشخص لطريقة حياة يولي فيها عناية حقيقية لنفسه وبمشاعره، وما يمكن أن يجعله أكثر سعادة، وذلك من خلال الرضا عن النفس والتعامل بفاعلية مع ضغوطات الحياة المختلفة.

كان هناك أيضا صبغة روحانية في حديث المحاضرين وتركيزا على مسألة احترام الآخرين وتقبل الاختلافات وذلك انطلاقا من أن توازن الإنسان يتطلب منه أن يولي عناية لروحه مثلما يولي عناية لجسده، وأنه كإنسان لا يملك فضلا على الآخرين إلا بحسن تعامله معهم.

على ما يبدو إذ أن المواضيع التي تجذب الناس ربما تكون تلك التي تعنيهم بشكل مباشر في حياتهم اليومية، أو بالأحرى تلك التي تدلهم على الكيفية التي يستطيعون بها العيش بشكل أفضل. وربما ما يدفعهم إلى ذلك الإحساس بالخواء الروحي وفقدان المعنى بالرغم من توفر كافة ظروف الحياة المادية المريحة. أو هي محاولة للبحث عن إجابة للمشاكل السلوكية، النفسية والاجتماعية التي تتزايد باضطراد مع زيادة الرفاهية المادية.

أيضا كان هناك اهتمام ملموس من الحضور بالأساليب المتداولة هذه الأيام حول طرق التفكير الخلاقة والإبداعية وما يسمى بالبرمجة العصبية، فهل هذا الاهتمام عند الناس بهذه المواضيع قد جاء من الترويج هذه الأيام لمثل هذا النوع من التوجهات، أم أن الناس حقيقة تجد فيها ما يحسن من تفاعلهم في الحياة ويقوي عزيمتهم أكثر على مواجهتها بأساليب تمنحهم الكثير من التوازن.

خاصة وأن في الحياة اليوم ما يجعل الإنسان أكثر عرضة للضغوطات العصبية والقهر والتهميش، مما يجعله يبحث في إمكانية مواجهة كل هذه الأمور دون أن تتعرض صحته وأعصابه لما يمكن أن يتلفهما. ونعود لتساؤلنا الذي بدأنا به هذا المقال، ترى ألا يكون في المحاضرات الثقافية والفكرية التي تقيمها مؤسساتنا الثقافية ما يجعل الناس يقبلون عليها انطلاقا من أن ما هو مطروح فيها يعنيهم.

بطبيعة الحال نحن ندرك أن بعض المواضيع المطروحة في المحاضرات قد تعني فقط قلة من البشر المتخصصين. لكن هناك أيضا مواضيع تطرح يكون لها علاقة مباشرة بالحياة اليومية للناس وما يواجهونه من ظروف، فما الذي يجعل الناس، حتى اولئك المعنيين بها بعيدين عنها.

يرى بعضنا أن وسائل الاعلام تلعب دوراً مهماً في تحريك الناس وفي خلق الأولويات في حياتهم، ومثلما نرى عندنا، المواضيع ذات الصبغة الثقافية ليست من أولويات وسائل إعلامنا ولا هي معنية بها بدرجة كبيرة، فهل هذا عامل من العوامل التي تبعد الناس عن الاهتمام بمثل هذه المواضيع.

لعله يكون من المفيد في العام القادم إذا قررت دائرة الأراضي متابعة نشاطها في برنامج متعة العقل أن تتعاون معها بعض جمعيات النفع العام لدراسة ظاهرة عزوف أو إقبال الجمهور على المحاضرات وما الذي يؤثر فيها.

جامعة الإمارات