لدينا مشكلة «عويصة» لم نستطع حتى اللحظة حلها بشكل نهائي، أو حتى جزئي، وبرغم كل المحاولات والحلول التي طرحت ونفذت، إلا أنها بقيت حلولاً جزئية لا أكثر تشبه مسكن «البنادول» الذي يخفف ألم الصداع لحظات، لكنه حتماً لا يشفي من مرض الصداع النصفي، وبصراحة فإن الزحام في شوارعنا صار صداعاً نصفياً مزمناً. لا ينفع معه البنادول!.

مع ذلك فإننا نعترف ـ وهذا من حق الحكومة علينا ـ بأننا نمتلك شوارع هي الأجمل والأنظف والأفضل على مستوى العالم، وتقنيات طرق لا تتوافر في كثير من العواصم الكبرى، ونظام مرور لا يمكننا النيل من سمعته، لدينا تخطيط وإشارات مرور ودوريات شرطة، ومخارج ومسارب مخططة بشكل واضح، ولوحات ارشادية على أعلى المستويات، ولدينا جسور وأنفاق وتقاطعات وطرق التفافية و.. نعم، لدينا كل ذلك، ولله الحمد،

ومن ينكر أو لا يعترف فذلك جاحد بنعمة الله أولاً، وبجهود الحكومة ثانياً. لكننا وبرغم كل ذلك نعاني كارثة حقيقية اسمها الازدحام كانت منذ سنوات قليلة ظاهرة، ثم أصبحت أزمة وأخيراً تحولت الى مرض مزمن بكل معنى الكلمة، ثم ان المشكلة تفرعت منها مشكلات، والأزمة توالدت منها أزمات، والأزمات هذه انعكست على أخلاقيات القيادة في الشوارع، فأصبح معظم السائقين يقودون سياراتهم بأدنى قدر من المسؤولية واحترام حقوق الآخرين في الطريق، وبأكبر قدر من اللامبالاة،

وللأسف نقول إن كثيرين يقودون سياراتهم بـ «قلة أدب» مقصودة ومتعمدة ومن دون أي تفكير في مجرد الاعتذار، فالكل يريد ان يعبر أولاً ويتجاوز غيره، وكأنه الوحيد الذي لديه عمل أو دوام رسمي أو موعد أو.. والآخرون إلى الجحيم، ما يستدعي تدخلاً سريعاً من إدارة المرور لتكثيف حملات التوعية وعلى جميع المستويات!

لقد سرت في طرقات إحدى الدول فرأيت السائقين يعبرون الطرقات والإشارة الحمراء مضاءة، أو يسيرون من دون وجود لأي إشارة على الإطلاق! نحن في الإمارات نوفر للجميع فرصاً ذهبية لاقتناء السيارات وبكل سهولة، بغض النظر عن مستويات الناس وثقافتهم واحترامهم لقوانين السير والطرقات، ونمنح تراخيص لكل من هب ودب، حتى صارت شوارعنا مرتعاً لملايين السيارات كل يوم، فلماذا هذه الفوضى؟!

إن الزحام المتفاقم الذي صرنا نعانيه ويخنقنا يومياً وفي كل لحظة لم يعد مجرد طوابير سيارات يتأفف أصحابها طيلة الوقت، وهم محبوسون فيها لساعات، يختنق بهم طريق دبي ـ الشارقة، ذهاباً وإياباً وشوارع دبي طيلة اليوم، لقد تعدى الزحام على شكل المدن ومستوياتها الحضارية،

فالزحام ليس مشهداً أو دليلاً حضارياً على الاطلاق، كما تعدى على اعصاب الناس وحواسهم، فنتج عنه هدر لا معقول في الأوقات، والأموال والأعصاب والنفسيات. مع ذلك، سنظل ـ كما هو واضح ـ نبني طرقاً ونمد جسوراً ونمنح المزيد من التراخيص لكل من هب ودب ولا نبحث في جذور الأزمة، سنبقى نعالج المرض المزمن بحبة بنادول!

sultan@dmi.gov.ae