كما كان متوقعاً، ومنذ أن وضع البرنامج النووي الإيراني، على مائدة النقاش، أو مائدة التشريح، بأن المآل سيكون مجلس الأمن الدولي، ما لم تتراجع إيران عن طموحاتها في المجال النووي. وهكذا كان، ففي الرابع والعشرين من سبتمبر، صوت 22 عضواً من مجلس المحافظين، في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، البالغ عددهم 35 عضواً، على مشروع تقدم به الإتحاد الأوروبي، يطلب فيه، إحالة الملف النووي الإيراني، إلى مجلس الأمن الدولي.

لم يعترض على هذا القرار، سوى دولة واحدة فقط، هي فنزويلا، في حين امتنع الباقون عن التصويت. وتتخذ القرارات الخطيرة، من هذا النوع، عادة بالإجماع، إلا أن التصويت، في هذه المرة، قد شهد استثناء من القاعدة المألوفة.ويستند الطلب الأوروبي، الذي قامت بصياغته، الترويكا الأوروبية، المكونة من ألمانيا وبريطانيا و فرنسا، في حيثياته، إلى أن إيران، لم تلتزم بتعهداتها، وقامت بخرق بنود اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية،

وذلك لإخفائها، عن عمد، أجزاء مهمة من البرنامج، على مدى عقدين من الزمن. لقد كان القرار، انتصاراً كبيراً للسياسة الغربية، وهزيمة دبلوماسية كبيرة، للسياسة الإيرانية، في عهد الرئيس الجديد، محمود أحمدي نجاد. فقد بادرت حكومته، بتعليق فشلها على شماعة الآخرين، وهم الفريق الإيراني في الإدارة السابقة، والأعضاء في مجلس الأمن القومي السابق، متهمة إياهم بالتهاون وبالتفريط بالمصالح الإيرانية،

خاصة أنهم وافقوا على إدخال بروتوكول إضافي إلى بنود اتفاقية الحظر من انتشار الأسلحة النووية، يسمح لمفتشي الوكالة، إجراء التفتيش المفاجئ، غير المعلن عنه سلفاً، وهذا البروتوكول، لم يحظ بعد، بموافقة البرلمان الإيراني المحافظ، وليس لدى إيران إلتزام قانوني بالاستمرار بتطبيقه.

لقد ساد اجتماع مجلس الوكالة، أجواء من التوتر، ومورست فيه، ضغوطات شديدة، على العديد من الدول، فالهند على سبيل المثال، التي ترتبط بعلاقات اقتصادية متينة، مع إيران، لم يكن لديها أية اعتراضات على البرنامج النووي الإيراني، عمدت إلى تغيير موقفها، وصوتت لصالح القرار.

وقد فتح قرار الإحالة هذا، نافذة صغيرة، تستطيع إيران، من خلالها، تجنب تداعيات خطيرة على مستقبلها، فالقرار لا يحيل الملف فوراً، إلى مجلس الأمن الدولي، وإنما يؤجل ذلك، حتى موعد اجتماع المجلس القادم، في نوفمبر، حيث يقدم المدير العام للوكالة، تقريراً حول مدى انتهاك إيران لبنود معاهدة الحظر. وهكذا، فقد أفسح مجلس المفوضين فرصة جديدة أخيرة لإيران، تزيد قليلاً على الشهر، لإعادة النظر بمواقفها، وخلافاً لذلك لن تجد إيران من يقف معها.

لم تخل حيثيات القرار، من موقف متعاطف مع إيران، أبدته روسيا والصين ودول أخرى، أصرت على عدم إحالة الملف فوراً، إلى مجلس الأمن، وهي الدول التي امتنعت عن التصويت. ولكن هذا الموقف المتعاطف، لا يعني تعاطفاً، مع البرنامج النووي الإيراني، أو اختلافا جوهرياً مع الإتحاد الأوروبي،

وإنما تفادياً مؤقتاً للمزيد من التداعي. فالروس، على سبيل المثال، قد بدأوا، بممارسة الضغوط، على إيران، للتخلي عن برنامج التخصيب، منذ شهور عديدة، وهم يمارسون ضغوطهم الآن، لإقناع إيران، بطأطأة رأسها، والإذعان لقرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخير.

ويتزامن مع هذا القرار، اتهام ألماني لإيران، بقيامها بتفجير، إحدى القواعد الأميركية في ألمانيا، عام 1985، ويتزامن القرار كذلك، مع زيادة الاتهامات الموجهة لإيران، من جهات عديدة، حول تدخلاتها، التي لم تعد خافية على أحد، في الشؤون العراقية.

قوبل قرار الوكالة بردود فعل عنيفة، في إيران، على مختلف الأصعدة، وصلت حد التهديد بالبدء الفعلي بعملية التخصيب، والانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. إلا أن ردود الفعل العنيفة هذه، لم تمنع وزير الخارجية الإيراني، منوشهر متقي، من التصريح لوكالة الأنباء الإيرانية، بعد يومين من اتخاذ القرار، بأن حكومته، لا تزال تدرس كيفية الرد.

وفي الوقت الذي أكد فيه «بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تتخلى مطلقا عن حقها في التكنولوجيا النووية، بما في ذلك دورة الوقود النووي، لأغراض سلمية، تنص عليها معاهدة عدم الانتشار النووي»، أضاف «أن إيران لا تزال ملتزمة بمعاهدة الحد من الانتشار النووي، ولا ترى أن طريق المفاوضات، أصبح مغلقاً».

إن مسارات الأحداث المقبلة والمتوقعة، لا تتيح لإيران، غير خيارين: أولهما، الالتزام بما جاء في القرار، فتوقف بذلك، عمليات تحويل اليورانيوم إلى غاز فلوريد اليورانيوم، التي تجرى الآن، في المنشآت النووية في أصفهان، وتعود إلى المفاوضات مع الترويكا الأوروبية، وفق الصيغة الأوروبية، التي تلزم إيران بالتخلي تماماً، عن برنامج التخصيب، والاعتماد على دول نووية أخرى، في تزويدها بالوقود النووي.

أما الخيار الثاني، وهو الأكثر احتمالا، في ضوء الأحداث الجارية، هو أن تدير إيران ظهرها، للجهة التي اتخذت القرار، الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي منظمة تابعة للأمم المتحدة، وتسير في طريقها الخاص، كما هددت أكثر من مرة، تحت ضغوط الأكثرية المتشددة في البرلمان الإيراني. وهي بذلك، تغامر بالدخول في عزلة دولية خطيرة، تعيق مشاريعها الطموحة، و قد لا تستطيع الخروج منها، حتى لو تخلت عن برنامجها النووي.

والخيار الثاني هذا، بحاجة إلى بعض التوقف، فالأوضاع في الشرق الأوسط، معقدة بما فيه الكفاية، مما يجعل تورطاً أميركياً كبيراً، في إيران، أقل احتمالا، عن ذي قبل، في ظل الضغوط الداخلية التي تتعرض إليها الإدارة الأميركية لسحب قواتها من العراق، وفي ضوء الغضب العارم، الذي عم، عدداً من الولايات الأميركية التي تعرضت لأضرار الأعاصير، مقابل أداء حكومي ضعيف إزاءها.

إلا أن ذلك لن يجعل المؤسسة الغربية، ولا أقول الدول الغربية، تغير من استراتيجيتها في الشرق الأوسط. لقد قدمت إيران، ضمانات كثيرة، لطمأنة الغرب، بأن برنامجها النووي، لا يهدف إلى صناعة أسلحة نووية، متذرعة تارة، بأنها تحترم التزاماتها نحو اتفاقية الحد من الأسلحة النووية،

و متذرعة تارة أخرى، بأن مبادئ الدين الإسلامي، التي تلتزم بها، لا تسمح بصناعة سلاح تدميري، من هذا النوع. وقد وصلت، في محاولاتها، لإقناع الغرب بسلامة نواياها، إلى الحد الذي أعربت فيه، عن عدم ممانعتها قيام الغرب، بالإشراف عليه، بل وحتى المشاركة فيه، مالياً وإدارياً.

هنالك معادلة خاصة، في منطقة الشرق الأوسط، لا أعتقد أنها خافية، على صناع القرار في إيران، هذه المعادلة مفادها، عدم السماح بنشوء قوة إقليمية، مهما كانت طبيعة هذه القوة، صديقة أم عدوة. ولدينا أكثر من مثل ساطع على ذلك. فقد كان شاه إيران السابق، صديقاً للولايات المتحدة، منذ نعومة أظفاره، وخدم بإخلاص جميع المخططات الغربية، في المنطقة العربية،

وكان من أبرز فرسان محاربة الشيوعية، وفوق ذلك، كان أهم حليف استراتيجي لإسرائيل، في منطقة الشرق الأوسط. ولكن عندما تحسست الولايات المتحدة، رغبة إيرانية، في أن تلعب دور الدولة العظمى إقليمياً، في هذه المنطقة الحساسة من العالم، حيث يقبع معظم الاحتياطي النفطي، عبدت الطريق لآية الله الخميني، للوصول إلى سدة الحكم، رغم التباين الأيديولوجي، ورغم الشعارات التي كانت تطلقها الثورة الإسلامية الإيرانية، أبان عنفوانها، ضد ما كانت تسميه الشيطان الأكبر.

وليس هذا بالمثل الوحيد، فالرئيس العراقي المخلوع، هو الآخر، بالرغم من دوره، في تحجيم دور الثورة الإسلامية الإيرانية، بما يتماشى مع المصالح الأميركية في المنطقة، لم يقابل إلا بمشاريع التدمير والإقصاء، لأن أجندته تتعلق بالبحث، كما بحث شاه إيران، من قبل، عن دور الشرطي، في هذه المنطقة، وهي وظيفة أميركية، لا تخضع للعمر، ولا لأية اعتبارات أخرى، غير الرغبة الأميركية في البقاء حارساً، على كنوز المنطقة.

هنالك مدعاة للتساؤل حول ما إذا كانت إيران، في المرحلة الحالية، قادرة على تغيير هذه المعادلة، أم لا، خصوصاً بعد أن قرر مجلس المحافظين في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قراره الأخير بإدانة إيران بالخرق، لبنود اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، وبالتالي يكتسب أي إجراء يتخذ بحق إيران، شرعية المنظمة الدولية.

يرى المتابع للشأن الإيراني، بأن أمامه مفاوضاً قديراً، يستطيع أن يوظف الوقت، بكفاءة لصالحه، فقد استطاعت إيران إطالة فترة المفاوضات، إلى ما يزيد على السنتين، دون أن تقدم تنازلات، في موقفها، خلال ذلك. ولكن ذلك ليس هو المدخل الأساسي، لتحقيق انتصار تعبوي، في المجال الخطر، الذي أقحمت القيادات الإيرانية المتعاقبة نفسها فيه.

majamal@emirates.net.ae

كاتب عراقي