يعتقد بعض اللبنانيين الضالعين في شؤون صناعة الحرية أن لبنانهم هو محور الكون، وأنهم يجهزون أنفسهم لكي يعلنوا إمبراطوريتهم التي ستسيطر على المنطقة والعالم بأسره، وهنالك نفر من هذا البعض قد أسكرته النزعة الاستعلائية عند سعيد عقل المتلبنن وصدقوا أغنية وديع الصافي المنقرضة التي تعتبر أن «هل كم لبناني العاجقين هالكون» أي المتسببين بهذه الزحمة، هم الذين سيعيدون الحرية لشعوب الأرض، وهم المعلمون الذين يقودون هذا الكون الفسيح إلى العدالة التي يفتقدها.
لا نريد أن نقلل من هذه الأحلام التي تراود مخيلة بعض اللبنانيين ولا نريد في الوقت عينه أن نسايرهم إلى درجة التصديق بأوهامهم التي تظهر أعراضها فجأة على وجوه أولئك الذين يعانون عقدة التحصن في الجبل الأشم الذي أسقط الغزاة عند أعتابه.
بعيداً عن الأسئلة الواهمة التي تحتشد في هذه الظروف الصعبة، وبعيداً عن براثن اللغة المراوغة التي يلجأ إليها بعض المتحذلقين أو المتمكنين من أدواتهم الخاصة بأن لبنان الذي يتم توريطه في لعبة هي أكبر من الجغرافيا السياسية التي وضعته الأقدار في قلبها،
وهي أكبر من النسيج الاجتماعي المركب والهزيل الذي تم تثبيته خلال سنوات الحرب الأهلية السوداء التي وقع في مخالبها مطلع السبعينات من القرن الماضي ولم يبرأ منها حتى الآن، هي بالتأكيد مؤامرة كبيرة على هذا البلد، وعلى المنطقة التي تستعد بعض القوى الدولية لتجعله مخلباً للإيقاع بجاره الأقرب الذي وقف إلى جانبه في عز الشدائد التي عصفت به. إن منطق الحياد هو الطريق الأسلم للبنان وللمنطقة وهو الضامن الوحيد لوحدته واستقراره في وجه الزلازل والأعاصير الدولية،
خصوصاً بعد أن شاهدنا دولاً وإمبراطوريات تتهاوى وتتلاشى من الوجود عند المنعطفات الخطيرة، ولهذا فمن الأسلم لهذا البلد أن يبقى حيادياً في مواقفه حيال التطورات السياسية التي تنتظر المنطقة بأسرها قريباً.إن الاستقواء ببعض القوى الدولية لا يضمن المستقبل ولا يؤمن الامتيازات المطلوبة لأن مآل الأجنبي مهما كان قوياً إلى زوال طال الزمان أم قصر، وإن كل ما يصنعه هذا الأجنبي من واقع جديد لن يغير كثيراً في المشهد،
كما ينبغي أن نعود إلى التاريخ لكي نستفيد من بعض مفاصله ومحطاته خصوصاً أننا أمة تعشق التاريخ وتقدسه، وتعتبره نبراساً تهتدي بهديه وتستلهم دروسه القاسية، لأن ما يبنى على باطل يظل باطلاً وأن من يستنجد بالغريب للانتصار على شقيقه في الدين والأرض هو قمة الخيانة،
كما أن دروس التاريخ علمتنا أن الذي يأتي مع الأجنبي يذهب مع الأجنبي ولا يبقى له أي ذكر أو أثر، كما أن التاريخ سرب إلينا الكثير من الروايات عن أولئك الذين باعهم الأجنبي بأبخس الأثمان عندما انتهت مصلحته منهم، حيث رماهم على أقرب رصيف يعج بالأموات.
لا يستطيع لبنان أن يكون عدواً لجارته سوريا، ولا تستطيع الطبقة السياسية أن تجيش الناس ضد هذا الجار الذي وقف إلى جانب لبنان في أسوأ الظروف الحالكة عندما تركه القريبون والبعيدون، والمحبون والغيارى. لهذا ينبغي أن يعود هؤلاء الغيارى إلى رشدهم لمصلحتهم ولمصلحة لبنان واللبنانيين والعرب والمسلمين.