في عام 1884 شهدت عاصمة ألمانيا (امبرطورية القياصرة في ذلك الوقت) اجتماعا مهما ضم 14 دولة أوروبية توافد مندوبوها لكي يتدارسوا فيما بينهم مصير قارة افريقيا التي كانت بمثابة صيد سمين وثمين لتلك الممالك والامبراطوريات التي كانت تعيش نتاج الثورة الصناعية التي انتقلت بعالم ذلك الزمان من عصر العجلة اليدوية إلى عصر البخار بل وبدأت تهيئ ذلك العالم لدخول حقبة جديدة أكثر من واعدة اسمها «عصر الكهرباء».

وقد اصطلح المؤرخون على عبارة ذاعت منذ ذلك الحين لوصف هذا المؤتمر الذي التأم عقده في عاصمة الألمان ومن ثم يمكن وصفه عنوانا لتلك اللقطة واللحظة التاريخية التي ألمحنا إليها.. وهذا العنوان هو بالحرف: مؤتمر التسابق على افريقيا

وهناك من يختار لمؤتمر برلين أيضا وصفا آخر وهو: «مؤتمر تناهب افريقيا بمعنى الصراع على السيطرة على القارة والتهيؤوالتحفز والتلمظ لنهب مقدراتها واستغلال ثرواتها وسرقة مواردها.. على نحو ما يذهب إليه المؤرخ الكبير الراحل شفيق غربال،

وفي كل حال فقد كان مؤتمر التسابق والتصارع أو حتى التكالب على افريقيا علامة فارقة شهدتها الفترة 1884 ـ 1885 وشكلت التاريخ الرسمي لتقسيم افريقيا بين قوى الاستعمار العتيق (أسبانيا والبرتغال) وقوى الاستعمار العتيد (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا)

فيما كانت قوى الاستعمار الجديد (أميركا) مشغولة في تلك الحقبة ببناء دولتها وتوطيد دعائم كيانها الفيدرالي بعد انجلاء الغبار الذي أسفر عن معارك الحرب الأهلية التي كانت قد دارت قبل مؤتمر برلين بعقد أو نحوه من عمر الزمان.

معاهدة برلين

ولقد أسفر مؤتمر برلين المذكور عن التوقيع على معاهدة برلين التي لم تتورع عن تجسيد صك دولي يتولى تعريف وتحديد «حقوق» (تأمل!) 14 دولة أوروبية هى أطراف المؤتمر في القارة الافريقية. وكان من المثير ايضا أن كتب نفر من فقهاء القانون الدولي في تلك الفترة يحمدون لأوروبا التوصل إلى تلك المعاهدة الاستعمارية ـ الامبريالية حتى النخاع ـ لماذا؟

لأنها جاءت ـ على حد ما وصفوه ـ لتضع نهاية سلمية توافقية لاحتمالات الصراع وضروب التنافس والتشاحن المسلح في بعض الأحيان بين دول أوروبا على مصالحها في افريقيا.وكان المعني بهذا الشكل أن قوى الاستعمار الأوروبي توصلت في مؤتمر برلين إلى صيغة يمكن أن يطلق عليها الوصف التالي:.. سلام المستعمرين.. وتوافق أو انسجام السارقين لا لمقدرات ضيعة ولا امكانات ولاية بل لمستقبل قارة بأكملها.. وشعوب بأسرها.

هكذا ادخلوا القارة الافريقية بأسرها في عصر السيطرة الاستعمارية وحقبة الاستغلال الكولونيالي والهيمنة الأجنبية. وربما كان فضل مؤتمر 1884 الذي ألمحنا إليه هو أنه كان ينعقد بلا مواربة أو استحياء تحت شعار المصالح القومية المباشرة لدول أوروبا في ذلك الزمان.. وأنه كان انعكاسا لعلاقات القوى والنفوذ بين تلك الدول خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر من حيث أنماط وديناميات وأنساق تلك العلاقات..

تركيا المريضة وألمانيا المهزومة

وبقدر ما كان مؤتمر استعمار افريقيا البرليني انعكاسا صادقا وموضوعيا لعلاقات وتحولات القوة والنفوذ في افريقيا فقد حضرته تركيا العثمانية ولم تنل منه شيئا لأنها كانت وقتها تدخل في طور رجل أوروبا المريض أبان غروب الامبراطورية العثمانية التي ما لبثت أن لفظت أنفاسها بعد مؤتمر برلين بأربعين عاما لا تزيد بل إن مصير الخسران النسبي طبعا كان بدوره من نصيب المضيف الألماني شخصيا..

فبعد أن كانت برلين قد فازت بمستعمرات بوسط وغربي افريقيا في تنجانيقا ورواندا وبوروندي والكاميرون وتوغو فقد جاءت الحرب العالمية الأولى لتشهد هزيمة ألمانيا وزوال امبراطوريتها ومن ثم ضياع مستعمراتها لصالح الأطراف المنتصرة في تلك الحرب حيث بسطت انجلترا سيطرتها على تنجانيقا واضطلعت بلجيكا بالسيطرة على منطقة رواندا، ودخلت فرنسا لتمارس نفوذها على الكاميرون وتوغو وما حولها.

هكذا دخلت افريقيا عالم القرن العشرين وكل أجزائها وأقطارها محتلة وخاضعة لسيطرة الكولونيالية والاستعمار الغربي ـ الأوروبي بكل أطيافه وعلى تعدد أنماطه واختلاف أساليبه ما بين الاستيطان الاستعماري (الجزائر.. روديسيا الشمالية والجنوبية ناهيك عن جنوب افريقيا التي أضيفت إليها في ذلك الحين آفة التمييز ـ الفصل العنصري (ابارتيد)، فضلا عن السيطرة الامبريالية من الناحيتين السياسية والاقتصادية أو الهيمنة المباشرة التي تستخدم آلة القمع العسكري لقهر إرادة البلاد الخاضعة للاستعمار.

وجاء عام 1950

وحين انتصف القرن العشرون ـ في عام 1950 بالذات لم يكن مستقلا من كل أقطار افريقيا سوى أربع دول فقط لا غير هى: مصر والحبشة وليبيريا واتحاد جنوب أفريقيا. ومع ذلك فلم يكن ذلك هو الاستقلال التام المأمول الذي كانت تنشده القوى الوطنية سبيلا إلى تحقيق أهدافها في التقدم أو التنمية أو التحرر من الهيمنة والاستغلال الأجنبي، كانت تلك «حالة» من الاستقلال النسبي أو المشروط أو المنقوص: مصر كانت تحتلها قوات بريطانيا المرابطة في قناة السويس

والحبشة كان يحكمها نظام متخلف خاضع تماما للسيطرة الأجنبية وليبيريا كانت أقرب إلى مستعمرة متحفية او متحف امبريالي تابع لسياسة الولايات المتحدة في واشنطون في حين كانت جنوب افريقيا ـ كما أسلفنا ـ نظاما عنصريا مقيتا يسيطر عليه المستوطنون البيض ذوى الأصول الهولندية ويديرونه لصالحهم وعلى حساب الأغلبية الشرعية الساحقة من سكانه السود الافريقيين المبعدين والمنبوذين في أحياء التعاسة ومعازل الشتاء.

لكن النصف الثاني من القرن العشرين كان له منطق آخر.. وما لبث أن أسفر عن صورة مغايرة تماما على خلاف صورة التسابق إلى النهب والاستغلال الاستعماري الذي كان.لقد شهدت السنوات الأولى من النصف الثاني من ذلك القرن، عقد الخمسينات بالذات كفاح الحركات الوطنية من أجل الاستقلال وإنهاء عصر الاستعمار أو هو النضال من أجل «تصفية الاستعمار على نحو ما يفيد به مصطلح الأدبيات الدولية»

ولقد جاءت هزيمة الحكم الامبريالي في افريقيا (وآسيا) لتشكل العلامة الفارقة التي يتسم بل يتميز بها ذلك القرن العشرون. هكذا تؤكد دراسة منشورة مؤخرا بقلم «مارتن جاك» عن التطورات والمستجدات التي طرأت على عالمنا خلال نصف القرن الأخير فما الذي أسفرت عنه تلك المستجدات ولاسيما على خريطة توزيع القوة والنفوذ في عالم الاستهلال الراهن للقرن الجديد؟..

كاتب مصري ـ خبير الإعلام الدولي