مع تولي كارل روف، كبير المستشارين السياسيين للبيت الأبيض إدارة فريق الاستجابة لتداعيات كاترينا، بدأ الرئيس بوش أخيراً «يقول» بعض الأشياء الصحيحة.
فلقد اعترف بالمسؤولية عن الاستجابة الفيدرالية المخزية للكارثة الإنسانية. وتعهد بإعادة بناء نيو أورليانز وساحل الخليج، في مشروع عملاق سيكون من أكبر مشاريع إعادة الإعمار في تاريخ الولايات المتحدة، ووعد بتقديم مساعدات فيدرالية لضحايا العاصفة وللولايات التي تؤويهم.
كما دعا لبذل جهود خاصة من أجل معالجة مشاكل الفقر، الناتجة إلى حد كبير عن الإقصاء العنصري. حتى إنه تبنى نهجاً ليبراليا متحمساً بتعهده بإعطاء أراض فيدرالية مجاناً لأولئك الذين يبنون بيوتاً هناك.
لكن في هذا البيت الأبيض، المهم دائماً النظر إلى الأفعال لا إلى الوعود. فهذا رئيس يفرض الانضباط على ما يقال، لكنه منفصل تماماً أو غير مبال بما يتم فعله على أرض الواقع.
ماذا فعل البيت الأبيض لتفعيل عملية إعادة الإعمار؟
أصدر الرئيس أمراً بخفض أجور العمالة السائدة في عقود البناء. ومنحت إدارة بوش عقوداً بدون مناقصة لشركتي هاليبرتون وفلور اللتين تعتبران من المتبرعين الرئيسيين للحزب الجمهوري، للبدء في إعادة البناء. كما استبعد الرئيس أية زيادة في الضرائب أو أي خطوات لتقاسم التضحيات في أعقاب كاترينا.
ربما يتم التخلي عن ضحايا كاترينا مرة أخرى، فلقد كشفت العاصفة عن وجود أميركتين اثنتين تودّ هذه الإدارة تجاهلهما: «فالفقراء والأغنياء على حد سواء وجدوا أنفسهم يبدأون من جديد.
الأغنياء بدأوا يشترون بيوتاً جديدة ويستأجرون مكاتب جديدة. والفقراء بدأوا ينتظرون في الطابور للحصول على طبق حساء أو سندويتش من زبدة الفستق»، كما كتب الصحافيان ديفيد داريل وجاكلين سالمون في جريدة «واشنطن بوست».
تعهد بوش بمعالجة الفقر، لكن قام على أرض الواقع بتصرفات من شأنها ان تنشر الفقر عندما أمر بخفض أجور عمال البناء، وهو يعرض على الذين شردوا من ديارهم ان يبنوا بيوتاً جديدة على أراض فيدرالية، لكنه يساهم في زيادة عدد الذين لن يستطيعوا تحمل تكاليف القرض العقاري.
دعا بوش إلى جعل ساحل الخليج منطقة مشاريع خاصة، بخفض الضرائب وتخفيف القيود على الشركات لتشجيع الاستثمار، ويبدو ذلك أمراً جيداً، لكن إعادة بناء نيو اورليانز ستتطلب المزيد من الضوابط والمراقبة الحكومية.
. مراقبة المخاطر البيئية وعمليات التنظيف، تنظيم مناطق الفيضانات بشكل أفضل، تخطيط وبناء بنية تحتية حديثة، من نقطة الصفر في كثير من الأحيان. هذا ليس حياً في إحدى المدن الداخلية بحاجة إلى رأس المال. إنه إقليم بأكمله بحاجة إلى إعادة البناء.
وإذا كان لأولئك الأكثر تضرراً من العاصفة ـ الفقراء، المسنين، المرضى، الضعفاء ـ أن يكونوا جزءاً من جهود الإنعاش، فلابد من وجود خطط حقيقية من أجلهم. فهم بحاجة إلى فرصة للعمل لإعادة بناء بلداتهم وبيوتهم، وذلك يتطلب مساكن قريبة من مناطق إعادة الإعمار، برامج تدريب، فرص عمل بديلة واستثمارات عامة في برامج الإسكان ووسائل النقل الجماعي الرخيصة لكي يستطيعوا ان يجدوا لأنفسهم مكاناً في نيو أورليانز الجديدة.
وإذا ترك هذا كله للسوق الخاصة، فمن المرجح أنه سيتم التخلي عن الفقراء مرة أخرى. فهي تنفق الآن مليارات الدولارات، وقد بدأت تلهث وراءها شبكات الافتراس الضارية في عالم الشركات الكبرى واللوبيات التي تحمي مصالحها.
وبدون الحضور والتخطيط من الجهات العامة، فمن المرجح ان الشركات الخاصة الاستغلالية الهادفة إلى الربح الفاحش سوف تحول نيو أورليانز إلى شيء أشبه بالمتنزه التخصصي.. مجمعات سكنية فخمة باهظة التكلفة، كازينوهات عائمة ومرافق سياحية لا يشوش عليها الفقراء أو الطبقة العاملة.
وهذا الأسبوع نشرت «واشنطن بوست» تقريراً عن مدينة وكالة إدارة الطوارئ «فيما»، وهي عبارة عن مدينة من العربات المقطورة على شكل بيوت متحركة لإيواء 1500 شخص في بونتا غوردا بولاية فلوريدا.
ولقد بنت «فيما» المدينة لإيواء بعض الذين شردهم الإعصار تشارلي الخريف الماضي، والآن لا يزال معظمهم يعيش هناك في أجواء يسيطر عليها الغضب واليأس بشكل متزايد، ولقد بدأت بونتا غوردا بإعادة البناء، لكن بطريقة لا تأخذ هؤلاء المساكين بالحسبان.
فلقد دمر ذلك الإعصار مئات المنازل الصغيرة وشقق الإيجار الرخيصة على طول نهر «بيس» ودمر أيضاً تقريباً كل المساكن العامة بالمدينة، وعندما بدأت عملية إعادة البناء، وجد المالكون فرصة مواتية لتحديث عقاراتهم ورفع الإيجارات.
والنتيجة كما ذكرت «واشنطن بوست» هي ان «الأشخاص العاملين ذوي الدخل المتدني الذين كانوا أكثر الناس تضرراً وتشرداً بسبب الإعصار هم الآن الأكثر تضرراً وتشرداً بسبب عملية إعادة البناء أيضاً».
وتتحدث «فيما» الآن عن ترتيب حوالي 300 ألف عربة مقطورة كملجأ طوارئ في ساحل الخليج، ولقد تشتت العائلات الفقيرة في أكثر من 40 ولاية دون ان يكون لديها أي فكرة عن كيفية العودة إلى مناطقهم أو إيجاد المأوى أو الحصول على وظائف.
تعهد الرئيس بأن يكون للمسؤولين المحليين دوراً كبيراً في خطط إعادة الإعمار. لكن ما ينبغي فعله حقاً هو جلب زعماء المجتمعات الفقيرة إلى الطاولة.. بما فيهم زعماء الكنائس، الناشطون الاجتماعيون والقائمون على المرافق التعليمية المحلية وبدون هذا فربما ننفق المليارات على عقود تمنح بدون مناقصات لشركات ذات صلات سياسية قوية، بينما تتحطم آمال البائسين الضعفاء مرة أخرى.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لـ «البيان»