فيما كان الإعصار ريتا يقترب من السواحل الجنوبية للولايات المتحدة، كان إعصار ساندي شيهان والمعارضون للحرب على العراق يقتربون من شرفات البيت الأبيض، وفي هذه الأثناء كانت شعبية الرئيس بوش تزداد غرقا تماما كما كانت مدن الإعصار تخشى الفيضانات والدمار.

الإعصار ريتا فاجأ الإدارة الأميركية وان لم يكن مفاجئا بالنسبة لخبراء الأرصاد الجوية الذين تقتصر مهمتهم على دق ناقوس الخطر فقط اما أولئك الذين يحكمون فلا يكفي ان يسمعوا او يقولوا سمعنا وعلمنا بل سمعنا وعملنا.

والمسؤولون الذين لم يعملوا ما يجب القيام به حيال إعصار كاترينا وتركوا نيوأورليانز تغرق وجثث الضحايا تنتفخ في الشوارع او تعانق شجرة عناق الموت الأخير، هؤلاء تعلموا الدرس لكن نتيجة الامتحان لم تظهر بعد.

وليس كل من يتعلم ينجح، فالمنقذ يدرك ان مهمته هي الإنقاذ لكن ذهاب بوش إلى كولورادو للإشراف على تنسيق عمليات الإنقاذ لا يعني بالضرورة انه نجح في إنقاذ شعبيته التي سقطت إلى أدنى مستوى في وحل نيوأورليانز.. المدينة التي غدر بها البحر، وغدر بها تقاعس الحكومة.

التقاعس عن إنقاذ الذين يتهددهم الموت في أكفان من ماء أنعش ذاكرة الأميركيين ليتذكروا تقاعس الحكومة عن انقاذ أولئك الذين يتهددهم الموت في توابيت الفقر وانعدام الرعاية الصحية رغم كونهم من مواطني الدولة الأولى في العالم.

فقد أصدرت دائرة الإحصاء الرسمية الأميركية مؤخرا تقريرا يفيد بأن نسبة الفقر ارتفعت العام الماضي بنسبة 1,1%، وبعد ان تراجعت النسبة في عهد الرئيس كلينتون عادت للارتفاع لتصل في سنوات عهد بوش إلى 17%.

مسألة اخرى تذكرها الأميركيون وهي معدل وفيات الأطفال، اذ ان هذا المعدل في العاصمة الأميركية يبلغ ضعف المعدل في العاصمة الصينية، ففي الأولى يصل إلى 5,11 لكل ألف مولود مقارنة مع 4,6 في بكين وفقا لإحصائيات 2002.

إضافة إلى ذلك، ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي فإن فرصة الطفل الأميركي الأسود في الحياة في السنوات الأولى اقل من فرصة الطفل المولود في مدن ولاية كيرالا في الهند. وقد ارتفع معدل وفيات الاطفال الأميركيين في عهد بوش الابن لاول مرة منذ العام 1958.

لذلك، كما يقول نيكولاس دي كريستوف في الـ «نيويورك تايمز» فإن الأطفال الذين جرى إخلاؤهم من نيوأورليانز هم الأطفال المحظوظون لانهم ربما سيحصلون على فحص طبي ولقاحات. اذ انه على المستوى القومي فإن 29% من الأطفال الأميركيين لم يكن لديهم تأمين طبي بشكل او بآخر خلال العام الماضي.

والعديد منهم لم يتلقوا لا فحوصا طبية ولا لقاحات. كما ان الولايات المتحدة «الدولة الأقوى في العالم»، تحتل المرتبة الرابعة والثمانين في العالم في نسبة تلقيح الأطفال ضد مرض الحصبة والمرتبة التاسعة والثمانين بالنسبة لشلل الأطفال.

في عهد بوش يتذكر الأميركيون انه تم فصل الناس عن النسيج الاجتماعي عن طريق اعادة توزيع الثروة من اكثر الأميركيين احتياجا إلى أكثرهم رفاهية. والتمويل الذي كان يجب ان يخصص للحرب على الفقر والمرض ذهب لتمويل الحرب على العراق.

ففيما كان الإعصار ريتا يدق بيوت الأميركيين في هيوستن وبورت ارثر ولويزيانا، كانت الطبول تدق في واشنطن وهتافات المتظاهرين تعلو مطالبة بالعودة الفورية للجنود الأميركيين من إعصار العراق.

نظم المظاهرة تحالف واسع من المنظمات الأميركية في مقدمتهم «متحدون من اجل السلام والعدل» و«تحالف آنسر» و «واصل التحرك» الذي يموله الملياردير جورج سوروس الذي سبق له ان ساهم بنحو عشرين مليون دولار من اجل هزيمة الرئيس جورج بوش في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر الماضي.

كما ان من بين منظمي التظاهرة منظمة «اربح من دون حرب» التي أطلقت حملة إعلامية الأسبوع الماضي شملت شبكات التلفزة والصحف الأميركية الرئيسية. حيث نشرت إعلانات كلفت نحو مليون دولار في 14 صحيفة يومية رئيسية هاجمت فيها حكومة بوش واتهمتها بالكذب لتبرير غزو واحتلال العراق الأمر الذي أدى إلى مقتل نحو ألفي جندي أميركي حتى الآن.

لقد سبقت سرعة رياح الإعصارين كاترينا وريتا سرعة بوش في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمستقبل أميركا والأميركيين فجلبت الرياح الأولى الدمار والماء القاتل لمدن الساحل الجنوبي، وجلبت رياح بوش القتلى والدم لأبناء كل السواحل الأميركية.

كاتب من الأردن