يمكن الحكم على مستوى رقي الرجل برقي تصرفاته وكيفية ردود فعله واعترافه بذنبه إذا ارتكب جريمة ما أو حتى ذنباً ما صغيراً.ويمكن الحكم على الدول ومدى رقيها بمدى رقي تصرفاتها وردود فعلها وتراجعها عن الاستمرار في ارتكاب جريمتها أو على الأقل الاعتراف بما ارتكبته من جرم أو من جرائم في حق دولة أخرى أو شعب آخر.

في القرون الوسطى كان التباهي بارتكاب الفظائع في حق البشر الآخرين يمثل شكلاً من أشكال إنسانية إنسان القرون الوسطى (وأشبه ما تكون بحياة عصور ما قبل التاريخ) حيث كانت معايير الأخلاق ليست كما هي عليه اليوم؛ فالقوة والفتك والاعتداء والظلم تعتبر ـ في ذلك الوقت ولدى بعض الشعوب أو الجماعات ـ من شيم النفوس،

على الرغم من وجود معايير أخلاقية ثابتة متفق عليها تشكلت من الأعراف البشرية أو من الديانات بشتى أشكالها السماوية وغير السماوية؛ ففي الوقت الذي كانت بعض الشعوب تجنح للسلم وتدافع عن المظلوم وتنصف من سلب حقه، كانت هناك شعوب تتفاخر بأن تعلق على أبواب بيوتها جماجم ضحاياه بعد فصلها عن جسدها وتجفيفها.

وتوقعنا بعد أن وصل العلم إلى ما وصل إليه ومع انتشار الجامعات في كل مدينة من مدن العالم خاصة الجامعات العريقة كالسوربون وهارفرد وكامبريدج بأن الحضارة التي وصل إليها الإنسان في القرن الواحد والعشرين قد هذبت من خلقه وأخلاقه، وارتقت به إلى مصاف الأنبياء والمرسلين.

ولكننا اكتشفنا أن الأخلاق تمر بأزمة أخلاقية! وأن التاريخ لن يكون هذه المرة شاهداً على الجرائم التي تتم في حق الشعوب، لأن من يقوم بتدوين سيرة تاريخ الزمن الذي نعيش فيه يمليه من منطلق القوة، وبالتالي فكل ما يقوم به هو الحقيقة التي لا يساوم عليها أحد، والآخرون عليهم تلقين هذا الزيف إلى طلبة المدارس على أساس أنه الحق الذي لا حق بعده! أو إذا لزم الأمر، حذف الفظائع التي ارتكبت بحق الشعوب الأخرى من منطلق العزة بالنفس!

يقول أحد شعراء فرنسا الكبار، وهو ميشيل ليريس (1901 ـ 1990) في ديوانه (الشر الأعظم) : «هناك قتلة بنظرات أرق وأخف من ريش العصافير». لقد سعدنا جداً، نحن العرب والمسلمين ومعنا المستضعفون والمغلوب على أمرهم، ونحن نسمع رفض فرنسا الاعتذار لما ارتكبته من فظائع وجرائم في حق الشعب الجزائري!

سعدنا لأن أي اعتراف بالجرم لن يعيد الحق المهدور لقطرة دم واحدة أريقت من جرح عربي أو مسلم سواء أكانت قد أريقت على تراب الجزائر أو سوريا أو لبنان أو مصر أو حتى فيتنام! وإن طلب الاعتراف بالذنب يبدو من وجهة نظري يأتي من موقف ضعف، وأن القوي لا يطلب من المذنب الاستغفار! وإنما يدعو له بالمغفرة من الرب! ويكفي ذلك ليرفع من قدر المظلوم والحط من قدر الظالم!

لا يهم أن تطالب دولة عظمى كفرنسا ـ والتي ما تبيعه من عطور للدول العربية يعادل ميزانية عشر دول مجتمعة - أن تطالب تعويضا بسيطا من دولة صغيرة كليبيا مقابل جرم لا نعرف حقيقة فاعله، بل والأكثر سخرية من ذلك عودتها بعد سنوات من استلام التعويضات وبعدما سمعت بالمليارات التي أعطيت للولايات المتحدة الأميركية بالمطالبة مجدداً، فسال لعابها وطالبت بإعادة النظر فيما تسلمته!

ولكن أن تعترف بأنها تسببت في ذبح مليون مسلم عربي فقط في الجزائر، فإن ذلك أمر لا يستحق حتى الاعتراف به، مع أننا لم نسمع أن شعب الجزائر طالب بتعويضات (مادية) مقابل ما خسره أثناء الاستعمار الفرنسي كما فعل اليهود مع أوروبا! بل إن ما اقترفته فرنسا وفق القانون الفرنسي الذي صدر حديثا تحت رقم 23/فبراير لعام 2005 واعتمده البرلمان الفرنسي، بحق الشعب الجزائري يعتبر مجدا من أمجاد الاستعمار الفرنسي (!!!) الذي مسح ثقافة شعب ولغته وطريقة تفكيره وطريقة حياته.

وربما كنا لنصفق لفرنسا لهذا الإنجاز العظيم لو أن الشعب الجزائري كان وقتها شعبا لا لغة له ولا دين ولا ثقافة ولا حروف أبجدية! إننا لا نصدق نحن الذين كنا نمجد في يوم من الأيام الثقافة الفرنسية، أن هذه الثقافة هي نفسها التي ينتمي إليها جان ماري لوبين أو من يمجد الاستعمار الذي فرض على الشعوب الضعيفة!

إننا لا نفهم ما معنى (معاهدة الصداقة) التي أصبحنا نسمع عنها في وسائل الإعلام وما يمكن أن تقدمه فرنسا من خلالها للجزائر؟! إن الدول العظمى لا تنظر إلى الدول النامية إلا من خلال ثقب الباب، ومن عين المصالح الخاصة! ويجب أن ننظر إلى علاقتنا معها من خلال نفس هذا الثقب! نحن في حاجة إلى معاهدة صداقة أولاً بين الدول العربية نفسها التي أنهكتها الخلافات والحروب فيما بينها على قطعة أرض هنا وبقعة زيت هناك،

قبل الذهاب إلى البحث عن صداقة شعوب امتصت دماءنا واستنفدت مصادرنا ومازالت، مرة تحت شعار الاستعمار ومرة تحت شعار تحريرنا ومرة تحت شعار البحث عن أسلحة الدمار الشامل التي لم يجدوها بعد ذلك.يتوجب علينا قبل البحث عن اعتراف واعتذار المستعمرين بالجرائم التي ارتكبت في حقنا قبل خمسين عاما والتي سترتكب لاحقا، أن نركع قليلا أمام دماء المسلمين الزكية التي تسيل في العراق على أيد جماعات تدعي الإسلام وحب الله!

dralaboodi@gmail.com

جامعة الإمارات