قد يكون مفهوماً أحياناً أن تقوم مؤسسات تجارية أو اقتصادية في دولتنا باستخدام اللغة الإنجليزية في مراسلاتها، وبالأخص حين تخاطبها مع جهات تستخدم تلك اللغة في معاملاتها.
لكن أن تقوم جهات محلية تحمل في مسمياتها كلمة مركز أو مراكز تراث باستخدام تلك اللغة في مراسلاتها وفي تخاطبها مع جهة محلية أو عربية أخرى فهذا أمر لا نفهمه ولا نستوعبه. لا بل هو في الحقيقة أمر جدير منا بأن نتوقف عنده وأن نتفاكر في أبعاده.
الذي حدث هو أن أحد مراكز التراث عندنا بعث بخطاب إلى جهة في مؤسسة من مؤسسات الدولة يتعلق ببعض أوجه التعاون فيما بينهما، وكانت اللغة المستعملة في ذلك الخطاب هي اللغة الإنجليزية.
والذي يستوقفنا او استوقفنا هنا هو أن الطرف الأول، وهو مركز التراث، يفترض فيه، كما هو واضح من مسماه، أنه أحد المراكز المناط بها الحفاظ على تراث دولة الإمارات العربية وتنميته والعناية بروافده. واللغة، كما هو معروف، تقع في نقطة المركز من التراث، لأن التراث يتغذى على اللغة وينتعش بها، وهي أحد المكونات الأساس له.
إذن لنا أن نتساءل: ما الذي يدفع مثل هذه المراكز إلى أن تتبنى لغة غير عربية في مراسلاتها، ثم ألا يتعارض هذا الأمر مع الأهداف التي من أجلها أنشئت هذه المؤسسات؟
وهل فات القائمون على إدارة تلك المراكز أن يسألوا أنفسهم عن الهدف من تخليهم عن اللغة الرسمية لبلدهم؟ وهل فاتهم أيضاً أن يدركوا طبيعة الصلة التي تجمع بين اللغة والتراث؟
وهل فاتهم أيضاً أن يسألوا في أبعاد السلوك الذي اتخذوه؟ كل هذه الأسئلة لا أعتقد انها قد نوقشت في تلك المؤسسة من قبل القائمين عليها حين تم اتخاذ القرار في مخاطبة جهة رسمية باستخدام اللغة الإنجليزية، وإلا، وهذا هو المفترض، أن مسؤولي تلك المراكز سيكونون من أوائل الحريصين والمدافعين عن اللغة العربية وعن استمرارها كلغة رسمية للبلد.
أم أن الطامة الكبرى تقع في الرؤية التي نحملها، أو بالأحرى يحملها بعض أولئك المسؤولين لتراثنا، والتي تتجلى في التعامل معه على أنه البضاعة المعروضة للسواح كي يتفرجوا عليها ويتعرفوا على بعض تفاصيلها، وأنه أحد مكملات السياحة.
لنا أن نتوقف هنا عند دلالات الموقف الذي اتخذته إسرائيل في وقت إنشائها فيما يتعلق باللغة التي ستعتمدها كلغة رسمية لها، ومن المعروف للجميع أن إسرائيل هي دولة شتات، أي أنها تضم يهودا جاءوا لفلسطين من كل بقاع الأرض، وبالأخص أوروبا، من أجل إنشاء وطن لهم فيها.
لكن إسرائيل لم تعتمد أياً من اللغات الأوروبية التي كان يتعامل بها مهاجروها، لا الإنجليزية، والتي كانت لغة الكثيرين منهم، ولا الألمانية، ولا حتى اليديش التي كانت لغة يهود أوروبا الشرقية، بل اعتمدت العبرية، اللغة السامية القديمة، شقيقة اللغة العربية، ولم يجرؤ أحد، في الغرب تحديداً، على القول بأن إسرائيل اعتمدت لغة قديمة، وأن هذه اللغة ليست لها إمكانية استيعاب العلوم.
كما يقال اليوم عن اللغة العربية، هذا على الرغم من أن اللغة العبرية لم تتجذر ولم تتطور بالقدر الذي صارت عليه اللغة العربية، ولا هي أيضاً مستخدمة بالحجم نفسه، لكن القضية بالنسبة لإسرائيل كانت قضية تثبيت هوية ووجود كيان، ولم يمنعها هذا الأمر من أن تكون دولة لها حضور كبير في مجالات العلوم والتكنولوجيا، تحديداً.
إن الفكرة التي يحملها البعض والتي تقول أن التعامل والتخاطب باللغة الإنجليزية (أو أي لغة لها سطوة القوة في المجتمع)، يعني أن المتعامل مع تلك اللغة هو الأكثر تعلما والأكثر مقدرة على التعامل في شؤون الحياة، لهي فكرة جديرة بأن تدرس في مجتمعنا، كما تمت دراستها في مجتمعات أخرى عديدة.
وذلك لأنها فكرة لا تمتلك أياً من المقومات، بل هي في الحقيقة فكرة ساذجة، لأنها تعطي للغة وحدها، دون محتواها وأبعادها، إمكانية أن تصبح مفتاحا لأبواب العلم وسلما نحو الرقي الإنساني. وهذه مسألة لا تحدث في الواقع.
الذي يحدث في الواقع أن العلم والادراك والمعرفة لا يتم الحصول عليه من خلال المستوى البسيط للتعلم الذي نراه في مجتمعنا في مجال تعلم اللغة الإنجليزية، وبالذات لطلابنا.
مثلما هو لم يحدث حين أضعفنا اللغة العربية في مدارسنا من خلال إضعاف المواد التي تقدم فيها، وإضعاف اساليب التعلم المرتكزة على التمحيص والتفكر. وبالتالي يصبح هدف مواكبة المجتمعات التي يقال لنا أنه يجب علينا اللحاق بها هدفاً بعيد التحقق، بل ربما مستحيل في الحالة التي نحن فيها.
فالحقيقة التي يجب علينا الوعي بها هي أن الأمم والمجتمعات لا تنهض لأنها فقط تخلت عن لغتها الأصلية لصالح لغة أقوى، ولا تصبح ذات شأن حين تدخل نفسها في حالة تبعية، لأن هذه التبعية تترتب عليها أمور كثيرة أهمها أن تبقى الأمم التابعة خاضعة لنفوذ الدول التي تحكم السيطرة عليها.
وهنا، وهذا هو الأهم في الأمر، لا يصبح من مصلحة الدول المسيطرة أن يكون للدول التابعة أية استقلالية أو نهوض حقيقي. لأن هذا يعني أن الدول المستقلة لن تصبح دائرة في فلكها، بل ستبحث لها عن مدار خاص بها. وهذا في عرف الدول أو الدولة المسيطرة على العالم اليوم أمر غير مقبول، لا بل امر يستدعي العدوان.
نحن نعرف أن اللغة الإنجليزية هي لغة التعامل التجاري في العالم اليوم، كما أنها لغة توفر للمتمكنين منها مراجع كثيرة في مجالات العلوم المختلفة، ولا بأس، أو من المفروض علينا تعلمها حتى تكون في يدنا إحدى الإمكانات الضرورية للحياة.
لكن هذا لا يبرر استخدام تلك اللغة في مؤسسات الدولة الرسمية، أو المؤسسات ذات الطابع الثقافي والمعرفي، والتي يفترض فيها أن تكون ركيزة مهمة من ركائز المجتمع المحافظة على توازنه واعتزازه بذاته.
كما أن الإنسان لا يتطور إلا بتطور أدواته الخاصة به، ومنها لغته، التي هي جوهر كيانه وعمود إدراكه، ولا يتطور إلا من خلال الجهد الذي يبذله في إدراك العالم إدراكا صحيحاً مستقلاً.
إن التواريخ الكثيرة للبشرية تشهد لنا بأن إقصاء الإنسان أو إقصاء معتقداته، أو عدم احترام ثقافته، يكون فتيلا قابلا للاشتعال متى ما اقتربت منه شعلة لهب. لكن، لا يبدو أن الإنسان، وبخاصة حين يكون في مركز قوة، يصبح آبها بمثل هذه الحقائق.
ولعل السبب الحقيقي لمن يمارس مثل هذه التجاوزات هو أنه مدرك أن ردة الفعل تلك لن تحصل في زمنه، وبالتالي فإنه يسعى لتحقيق طموحاته هو، لا التفكير بما ستكون عليه مصائر البشر بعد قرون من الزمان.
وهناك دراسات عديدة في العالم حول الآثار التي تتركها هيمنة قوة ما، وخاصة الهيمنة الأجنبية على نفوس البشر وما آلت إليه الاحوال، لكن هناك أيضاً من الشواهد ما يدلنا على أن الكثيرين من المتنفذين لا يأبهون بدروس التاريخ.
وكلمة أخيرة، عندما كانت الولايات المتحدة في طور التشكل دار نقاش في مراكز قرارها حول اللغة التي ستعتمد كلغة رسمية لتلك البلد، الألمانية أم الإنجليزية، وما فرض هذا الأمر هو حجم وقوة الجاليتين الأكبر من المهاجرين في ذلك الوقت ممن صاروا في مراكز اتخاذ القرار، الألمان والإنجليز.
وحين عرض الأمر للتصويت رجحت اللغة الإنجليزية بفارق صوت واحد، صوت واحد فقط جعل السيادة للغة الإنجليزية. ترى لو لم يوجد ذلك الصوت هل كان سيفرض على العالم التكلم اليوم باللغة الألمانية. أليست هذه مسألة جديرة بالتأمل؟
جامعة الإمارات