تقلبت مصر كثيراً على سطح السياسة بين الدولة «الفرعونية» الأقرب إلى مفهوم الدولة الوطنية، وبين المستعمرة المحتلة فارسياً ويونانياً ورومانياً قبل الفتح العربي، ثم بين الإمارة الكبرى والولاية المكتفية والخلافة القائدة بعد الفتح العربي، وأخيراً بين الولاية التابعة، والسلطنة شبه المستقلة، والمملكة المستولدة من عراك تاريخي مرير بين البنية العثمانية المتداعية، وبنية عصرنا الحديث في القرون الخمسة المنقضية.
غير أن هذه الانقطاعات ـ التقلبات جميعاً قد تمت على أرضية ثقافة سياسية «أبوية» ممتدة دونما قطيعة حيث نسب إلى «شخصية مصر» نمط السكينة وعاش أغلب المصريين في معظم العصور وإزاء كل السلطات التي هيمنت على مقاديرهم فقرا اقتصاديا، وقمعاً سياسيا إلى درجة ساحقة لم تخفف منه لحظات الصعود الكبير للدولة وهى تقود إقليمها في العالم القديم من فضاء الدولة الإمبراطورية، أو تحفز أمتها العربية في الحقبة المعاصرة ومن داخل فضاء الدولة الوطنية.
فقد كانت مصر أحيانا كبيرة طامحة، وفي أخرى جريحة ومنكمشة، بينما وقع المصريون دوما أو في الأغلب في أسر الفقر والقمع إلا فيما ندر، ولو أعيدت كتابة تاريخ مصر البشري من دون وقوف عند الأسر الفرعونية الثلاثين، ثم قيادة صلاح الدين ومن بعده قطز وبيبرس ضد الصليبيين والمغول، وكذلك مشروع محمد علي باشا لإقامة امبراطورية عربية حول مصر، لكان العنوان الأنسب لهذا التاريخ هو الألم.
وقد أفرز هذا التاريخ الممتد والمراوح بين استبداد الداخل، وسيطرة الخارج علاقة مريضة بين الدولة والمجتمع في مصر، فالحوار يجري في اتجاه واحد : أمر من الدولة ـ السلطة وطاعة من المجتمع، فالدولة تملك المجتمع، ولا ناقة للمجتمع لدى الدولة. ولأن مثل تلك العلاقة ولادة، وحاضنة للأزمات المجتمعية الشاملة من قبيل الفقر والتخلف والمرض والجهل، فقد كان على المجتمع ان يعالج نفسه بنفسه، وان يعيش أزماته تطحنه أو يطحنها، فالمهم في كل الأحوال أن يسلك المجتمع كتابع من حقه أن يئن وحيدا، وليس من حقه ان يزعج السيد بأنينه حتى لا يفسد عليه غفواته أو أوقات مرحه الخاص.
وكان من شأن تلك العلاقة ان يعيش المجتمع المصري حالة شديدة من النفاق والفساد الذي تفشى في الحقبة الماضية إلى درجة تبدو قاتلة، فلم يعد احد يؤدي دوره كاملا أبدا، ولم يعد أحد يحاسبه على ذلك في الوقت نفسه لأن السلطة التي تستطيع تحقيق الانضباط وممارسة الحساب هي نفسها المسؤولة عن تقديم بدائل اجتماعية، وفرص اقتصادية ولذا فقد تنازلت عن حقها وواجبها معا.
وبدلا من أن يحتج المجتمع على فشل الدولة فيناله الكثير من الأذى مما هو معروف، وما هو غير معروف، يكون الحل البسيط والأضمن لكل فئة ان تصدر أزمتها إلى الأخرى، وهكذا يتفشى الفساد كبديل لحق التظاهر، والنفاق بديلا لحق الإضراب عن العمل والذي يفترض أن تواجه به كل فئة مظالم الدولة لها وصولا إلى نقطة التوازن العادلة. والدولة من جانبها ترى ما يدور، وتدرك ما يجري ولكنها تتغافل عن ضبطه لأنها لا تستطيع ان تقدم بدائل له فيكون الحل هو أن تلوذ بالصمت اللذيذ كشريك في حالة النفاق العام التي تسود في كل نظام مغلق، وثقافة سياسية جدباء.
ولعل ما حدث من تغيير من قالب الاستفتاء إلى قالب الانتخاب ليس إلا محاولة لتغيير أسس هذه العلاقة المريضة بين الدولة والمجتمع في مصر. غير أنها محاولة لا تزال خجولة ولم تتعد الإطار الخارجي للنظام السياسي ولا تقاس بما تراكم لدى المصريين من خبرات عديدة للنضال الوطني منذ ثورة عرابي مرورا بتجربة الوفد الشامخة والمتعثرة بفعل الاحتلال، فضلا عن ثورة يوليو بكل جذريتها والمشروع التحديثي الناصري في بنيته المصرية الصميمة.
وربما ترجع الفجوة بين ما تحقق، وبين المرغوب تحقيقه، إلى حقيقة ان ما بذله المصريون من ضغوط سياسية على النظام القائم لم يكن بحجم ما شعروا به من تغيرات في تكوينهم الفردي والجمعي على السواء حيث استمر جيل ثالث من المتعلمين والمثقفين يخضع للإطار الذي شكل حياة الجيل الثاني منهم، وربما الجيل الأول الذي ربما لم ينل هذا القدر من التعليم والثقافة.
وبرغم ان تلك الفجوة يمكن تفسيرها جزئيا حتى نهاية السبعينات بعوامل إقليمية تخص موقع مصر في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وعوامل دولية تتعلق بتفاعلات النظام العالمي حتى نهاية الثمانينات ترافق معها انشغال مصر بإزالة احتقانات ما جرى بمفتتح العقد نفسه من حادث المنصة وهبوب موجة إرهاب عاتية، إلا انها لم تكن مبررة منذ بداية التسعينات على الأقل حيث انتهت الحرب الباردة وهبت على العالم رياح الموجة الثالثة للديمقراطية اللهم إلا في ضوء الحقيقة الأخرى المكملة وهى أن النخب المهيمنة تدافع عن مواقعها، والنظم السياسية لا تغير نفسها إلا تحت ضغوط تنال من بنيتها قليلا كما حدث فعلا، أو كثيرا كما يمكن أن يحدث، أو تقضى عليها تماما وهو سيناريو الفوضى الذي لا نتمناه ولا نتوقعه.
فما نأمله حقا هو أن تكون الانتخابات الأخيرة بمثابة قطيعة تاريخية مع ذلك الموروث السلبي لعلاقة الدولة بالمجتمع، وبداية لحوار بينهما ينتهج الشفافية والمكاشفة ويتجاوز النفاق والتلفيق، وبدلا من تاريخ طويل كانت فيه الدولة سيدة للمجتمع، نتطلع الآن إلى مستقبل أفضل تصبح فيه الدولة المصرية الجديدة خادمة للمجتمع، أو حارسة له.
كاتب مصري