تعم مناطق عديدة من العالم، وفي جميع الأحيان، خلافات شتى، بين بلد وآخر، قد تكون خلافات حول الحدود الجغرافية، أو حول الحق في الموارد الطبيعية كالمياه والنفط، أو الحق في الدفاع عن أقلية قومية أو مذهبية. وهنالك خلافات، قد تقع، ضمن البلد الواحد نفسه، حول الحق في تقرير المصير، أو الحصول على نوع من الفيدرالية، أو الحكم الذاتي، لبعض شرائح المجتمع، التي لها خصوصية عرقية أو دينية أو مذهبية أو ثقافية.
وينبثق عن هذه الخلافات صراعات، قد تبقى ذات طابع سلمي، كما هو حال الصراع، بين الجزائر والمغرب، حول الصحراء الغربية، أو تتحول إلى صراعات عنيفة ودموية، كما حدث في مناطق عديدة من العالم، بين الهند والباكستان مثلاً، أو بين العراق وإيران. وفي الحقيقة، لم تخل حقبة من التاريخ، إلا وكان العنف، هو المظهر الأكثر تجلياً، في التعبير عن الصراع، بين الدول، إذ أن أغلب فصول التاريخ، كتبتها الصراعات المسلحة.
وبالرغم من أن فترات التاريخ هذه، لم تخل، من ناشطين إصلاحيين، حملة رسائل إنسانية، ودعاة للتسامح ونبذ الخلافات والمصالحة، إلا أن جهود هؤلاء ودعواتهم، تراجعت أمام نفوذ القوى الدافعة للصراعات، فالنوايا الحسنة وحدها، لا تقدم مشاريع واقعية لحل المشاكل.
يصبح للصراع المسلح، أبعاد إقليمية، وأحياناً دولية، حينما يقع بين دولتين كبيرتين، أو يقع في منطقة حساسة واستراتيجية من العالم، فالصراع حول كشمير مثلاً، ذو أبعاد دولية، خاصة ان الدولتين، الهند والباكستان، وهما دولتان نوويتان، بقيتا في حالة صراع مسلح، منذ نشأتهما في نهاية الحرب العالمية الثانية، مما زاد في تعقيد الصراع، رغم التحسن النسبي في علاقتهما، في بعض الفترات. والصراعات ضمن البلد الواحد، هي الأخرى، قد تبقى سلمية أو تتحول إلى العنف.
ففي الدول الديمقراطية، تبقى هذه الصراعات، في أغلب الأحيان سلمية، وذلك لأن شعوب هذه الدول، قد خلفت النزعة نحو العنف والصدام المسلح، وراء ظهورها، وهي تعمد إلى إجراء الاستفتاءات، في ظروف بعيدة عن الاحتقانات، لحسم الخلافات، كما جرى في الاستفتاء حول انفصال اسكتلندا عن بريطانيا، أو انفصال مقاطعة كوبيك، الناطقة باللغة الفرنسية، عن كندا، قبل أكثر من عقدين من الزمن. أما في الدول، غير الديمقراطية، فقد تتحول الصراعات، إلى العنف والصدامات المسلحة، وتصبح خطراً، يهدد بتدمير البلد أو تقسيمه، كما حصل في الكثير من دول العالم، مثل الكونغو وأنغولا ويوغسلافيا السابقة.
ويتعقد الصراع، بين الطرفين المتصارعين، حين يدخل فيه طرف ثالث أو أكثر، بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ يسهم هؤلاء، في تأجيجه، عن طريق إدخال أدوات إضافية إليه، والتخطيط لمسارات جديدة له، لا تخدم أهداف الطرفين في الصراع. ويصبح الصراع أكثر تعقيداً، حين يطول زمنه، ولا يحل مباشرة إثر انبثاقه. ترغب غالبية الناس، في السلم، في جميع أنحاء العالم، والقليل منهم لا يرغب في ذلك، إلا أن إرادة الأقلية، صاحبة المصلحة في الصراع، هي التي تفرض نفسها، في نهاية المطاف. فما هي أسباب الصراعات؟، وما هي أدواتها؟، وما هي وسائل تلافي هذه الصراعات؟.
يكمن جوهر الصراعات، في الاختلاف والتعارض في المصالح الاقتصادية، وليس غير ذلك، حتى لو ارتدت هذه الصراعات، أردية أخرى، عرقية أو دينية أو مذهبية أو اجتماعية أو غيرها. ففي أغلب الأحيان تقوم أطراف الصراع، وبدافع من مصالحها الاقتصادية، بتوظيف الانتماء العرقي أو المعتقد الديني أو المذهبي، لتبرير هذه الصراعات وإذكائها، وإكسابها مشروعية أوسع، وذلك حسب أهمية هذه الأدوات وملاءمتها وقوة أدائها.
فالانتماءات العرقية أو الدينية أو المذهبية، ليست أسباباً حقيقية للصراعات، قدر ما هي أدوات لها، توظف عندما تصطدم المصالح الاقتصادية لطرفي الصراع. وعندما يبدأ الصراع، بين بلدين أو بين فئتين، بأدوات عرقية أو دينية أو مذهبية، يبدأ الطرفان، باستخدام لغة حماسية، توظف فيها الشعارات والرموز الخاصة بهذه الأدوات، والتي لها قدرة أكبر من غيرها، في التأثير على معادلة الصراع، وعلى استراتيجية حشد القوى للمعركة، وكسب الحلفاء، وتحييد بعض الأطراف وإبعادها عن ساحة الصراع.
لم يخل صراع في التاريخ، من دور لوسيط، أو لوسطاء، لإنهائه والتخفيف من تداعياته. والوساطة في حل الصراعات، عملية معقدة وصعبة، تحتاج آلياتها، إلى مهارات وقدرات عالية، وتتطلب قدراً كبيراً من المرونة والصبر، وقدراً أكبر من النفوذ على طرفي الصراع. وينبغي أن يتعرف الوسيط، بأسلوب موضوعي، بعيداً عن التأثر بالشعارات الحماسية التي يطلقها هذا الطرف أو ذاك، على الأسباب الحقيقية للصراع، من خلال التعرف على جذوره التاريخية، وعند ذاك، يصبح في وضع أفضل، لفهم طبيعة الصراع، واقتراح الحلول الواقعية له.
يتطلب الحل، لصراع معين، في بعض الأحيان، تسليط الضغوط الشديدة، على أطرافه، أو إجبار أحد الأطراف، على قبول ما يقترحه الوسيط، وهنا ينبغي أن تكون هنالك أداة قادرة على فرض هذا الحل، مثل الأمم المتحدة، أو غيرها من المنظمات الدولية، شريطة أن تمارس هذه المنظمات دورها بحيادية.
ينبغي ألا يغيب عن البال، بأن الجذور الحقيقية للصراع، تكمن في عدم توافر العدالة، لفئة من المجتمع، قد تحمل معتقداً معيناً، أو قد تنتمي إلى أقلية عرقية أو دينية أو مذهبية، وينبغي أن نعي دائماً، بأن السلم والعدالة لا ينفصلان عن بعضهما. وما لم يكن جوهر الحل، في كل صراع، تحقيق العدالة، فلن يكون هنالك حل حقيقي، وإنما حل مؤقت، يخلق بؤرة قابلة للانفجار مجدداً في المستقبل، وربما بتداعيات أخطر من ذي قبل. فالسلم لا يتحقق، بالخطابات البليغة والحماسية، ولا بالتحذير والتهديد، ولا بإسداء النصح، وإنما بإرساء العدالة، ورفع الحيف عن الطرف المتضرر.
هنالك أمثلة كثيرة على ذلك، فالسلم في فلسطين، لا يتحقق، ما لم يصار إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى حدود الخامس من يونيو عام 1967، كما أن الصراع الدائر في سريلانكا، هو الآخر، لا ينتهي، ما لم تعالج المطالب التي يطرحها التاميل، بطريقة تزيل الغبن الذي يعانون منه. وهنالك أمثلة كثيرة جداً، على العلاقة الوثيقة، بين السلم والاستقرار من جهة، وتحقيق العدالة من جهة أخرى، كما أن هنالك علاقة وثيقة أيضاً، بين العنف واللا استقرار من جهة، وبين الظلم والغبن من الجهة الأخرى.
وتعتبر الصراعات باستخدام الأدوات الدينية والمذهبية، من أقدم الصراعات، وهي رغم كونها، قد بدأت في فترات بعيدة جداً، عن حاضرنا، إلا أن لها حضور في الوقت الراهن، وفي بعض البلدان، وكأنما هي بنت اللحظة الحاضرة. هذه الصراعات هي الأصعب في إيجاد الحلول لها، إذ أن الحل يكمن في معالجة الجذور الأصلية لها، وهي المنظومة الفكرية، التي تختلف عند طرفي الصراع، والتي تساعد على خلق ثقافات مختلفة، وتأريخ مختلف، لأن هنالك قراءات مختلفة لأحداث الماضي.
إذ حتى في حالة فرض أحد أطراف الصراع، منظومته الفكرية على الطرف الآخر، من خلال المناهج الدراسية، يستطيع الطرف الآخر إدامة منظومته الفكرية الخاصة به، من خلال جعلها قوة معارضة، وعادة ما تكتسب قوة المعارضة، التي تنطلق من خلفية الظلم والغبن، رومانسية جذابة. ويبقى الحل الأمثل، لمعالجة صراعات كهذه، هو خلق القيم المدنية، في الدساتير وفي القوانين وفي الممارسات التي تنبثق عنها، لتعزيز الروح المدنية في النسيج الثقافي للشعب، وتجريد أصحاب المصالح، من أدوات الصراع البالية، الدينية والمذهبية، التي يستخدموها لتحقيق مصالحهم.
majamal@emirates.net.ae
كاتب عراقي