حينما نكتب عن أوضاعنا الداخلية، سلباً أو إيجاباً، فإننا لا نفعل ذلك لتضييع وقتنا ووقت القارئ، ولا نفعل ذلك لأننا لا نجد شيئاً آخر نفعله، ولكن لأن الكتابة عن أوضاعنا وأحوالنا وسيلة للوصول إلى هدف نسعى إليه، هو أن نتحاور في ما يعنينا، نتحاور لأن الحوار أول الطريق للتغيير، وأولى محطات التوقف والمساءلة، ذلك أننا كمجتمع بحاجة حقيقية لأن نتوقف قليلاً ونتساءل: إلى أين نمضي؟ إلى أين يذهب كل هذا الجري وهذا اللهاث؟ وهل نعي فعلاً النتائج المترتبة؟
نلاحظ أننا في سعينا نحو الحوار أن أول ما يواجهنا تلك الحالة التي تعشش في أذهان الكثيرين: الخوف! لكن الخوف من ماذا؟ ولماذا؟ وحينما تمعن في الأسئلة تتكاثر حولك العشرات من علامات الاستفهام، فما الذي يخيف في أن يناقش الإنسان أوضاعاً تهمه؟ تثير أعصابه؟ تضرّه؟ تؤثر على حياته؟ على مستقبل أطفاله؟ على أوضاعه المعيشية؟
أو أن يناقش ما يمكن أن يغيِّر هذا كله نحو الأفضل، خاصة أن كل المؤشرات حولنا تقول إننا في دولة تسعى لتكون الأفضل، ويسعى حكامها منذ بدايات التكوين ليوفروا لشعبهم أفضل مستويات المعيشة!نسعى لنكون الأفضل، فهل الأفضل والأحسن والأجمل لا يكون إلا في البناء والعقارات ومضاعفة الأموال عبر بوابة السوق المالي؟ هل الأفضل والأحسن لا يكون إلا بالتنزُّه في المراكز التجارية والجلوس ساعات في المقاهي الراقية في هذه المراكز؟
والمباهاة بماركة السيارة والساعة والحذاء والهاتف النقال؟ إذن فقد انحصر الأمر كله في «الأشياء» وليس في الإنسان.والمطلوب أن نكون الأفضل إنسانياً، حضارياً، ثقافياً واجتماعياً لنستحق كل هذه المنجزات الكبيرة التي تحدث حولنا ونستطيع استيعاب كل المتغيرات التي تعصف بالعالم حولنا.
علينا أن نتوقف قليلاً، فقد ركضنا طويلاً، وأضعنا في هذا الركض الكثير من الثوابت، أضعنا الهوية والشعور بالانتماء، والإيمان بأهمية المشاركة والعمل الجماعي، صار الناس في حمى اللهاث أسرى أنفسهم، صاروا وكل واحد منهم كأنه جزيرة منفصلة عن الجزر الأخرى، جزيرة محاطة بالفراغ ولا شيء آخر، ومن هنا نجد أن الكل يشكو من الوحدة والضيق والكآبة والاكتئاب، ممعناً أكثر في اللامبالاة والصمت.
لكل ذلك، فنحن محتاجون إلى الحوار وبصوت عالٍ، داخل الأسرة، في ثنايا المنزل، في أروقة المؤسسة، في مكاتب العمل، في المقهى وعبر وسائل الإعلام؛ حوار هادئ، موضوعي، بعيد عن العشوائية والغوغائية ورسائل الثناء والمديح، أو الشكوى والتسوُّل، فهذا ليس حواراً ولا رأياً عاماً.
نحن نحتاج إلى حوار يكرِّس أهمية الرأي العام لأننا كغيرنا من شعوب الأرض وأممها لدينا أزمات وطموحات ورغبات وإشكاليات، ومن حقنا أن نعبِّر عنها ونتحاور حولها، ونقول رأينا ليصل إلى من يعنيه الأمر بكل هدوء وبكل تحضُّر، بعيداً عن الخوف والأوهام والأنانية، واللامبالاة والصمت.. فقد تعبنا من هذه اللامبالاة العبثية!
sultan@dmi.gov.ae