في أمور السياسة وفي قيادة الأمم ومسيرة الدول، هناك دائما مرحلتان اتفق التراث العربي على وصفهما على التوالي بأنهما: الجهاد الأصغر.. والجهاد الأكبر.المرحلة الأولى تشير إلى وحدة الصفوف عند مواجهة عدو مشترك.. خاصة إذا كان عدوا خارجيا.. كأن يكون الاحتلال الأجنبي أو السيطرة والامبريالية ـ الاستعمارية.
أما المرحلة الثانية فتشير إلى التحول إلى حيث البناء الداخلي وإلى إصلاح ما أفسده «الآخر» وإلى تحويل تآزر الماضي إلى طاقة عمل ورؤية متجانسة لإصلاح الحاضر والعبور إلى المستقبل.إن مرحلة الجهاد الأكبر تتلخص في حقيقة مواجهة النفس بعد انجاز مواجهة «الآخر» وبكل ما تنطوي عليه مواجهة النفس من ممارسة النقد الذاتي ومن أمانة تقييم عيوبنا وإصلاح سلبياتنا قبل أن يواجهنا بها الآخرون.
وأحدث الدروس المستفادة من هذه العبرة السياسية ـ الأخلاقية ذلك النموذج الذي مازالت مشاهده تتوالى على مسرح السياسة الدولية من.. أوكرانيا.نعم أوكرانيا.. البلد السلافي المترامي الأطراف الذي سمع به العالم في النصف الأول من القرن العشرين بعد صعود واحد من أبنائه إلى قيادة الاتحاد السوفييتي وهو نيكيتاخروشوف (1891 ـ 1971) وأيضا بفضل غزارة إنتاج أوكرانيا من القمح الذي كان يجري تصديره في إطار التجارة والمعونات إلى بقاع شتى من العالم الثالث..
ثم تسامع به العالم مرة ثانية حين أذيعت أنباء انفجار المفاعل النووي «تشير نوبيل» عام 1986 بكل ما أسفر عنه هذا الحادث الرهيب من أضرار فادحة ونتائج وخيمة أفضت من ناحية أولى إلى خسائر بشرية في غاية الجسامة وجاءت من ناحية ثانية نذيرا ينبه العالم إلى خطر التوسع في التعامل مع الطاقة النووية وربما جاء من ناحية ثالثة من بين العوامل التي عجلت بنهاية الكائن ـ الماموث الشيوعي حيث أفضى بالاتحاد السوفييتي نفسه إلى متاحف التاريخ.
ما لبثت أوكرانيا ـ رغم كل شيء ـ أن عادت لتصبح ملء السمع والبصر في العام الماضي.. لكن في إطار صورة سوبر ـ ايجابية مفعمة بالأمل هذه المرة: كيف لا وقد كانت الصورة المتلفزة تتوالى عبر الاتصالات الفضائية الساتلية ـ صور جموع الناس.. ملايين الأوكرانيين يتدفقون عبر الساحات والشوارع في عاصمتهم كييف الواقعة على نهر الدنيبر.. في حالة من الحراك السياسي الشعبي الذي لم تكد الذاكرة السياسية المعاصرة تعيه..
ربما منذ أيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 أو أيام الثورة الصينية عام 1949 بل وأيام ثورة فرنسا الكبرى عام 1789. في الأيام الغابرة لتلك الحركات الشعبية السابقة في التاريخ.. كان قصارى الأمر أن تدونه سجلات المؤرخين أو تنشره صفحات الجرائد مطبوعا بالأبيض والأسود..
لكن ثورة أوكرانيا في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين كان من حظها أولا أن نالت متابعة عالمية لحظة بلحظة سواء من خلال الشغف الإعلامي المزود بإمكانات عصر الفضاء أو من خلال الاهتمام الأميركي المخصوص الذي كان يرى في حركة المعارضة الأوكرانية وقتها مصلحة لا شك فيها لواشنطن أو أنها ورقة رابحة وجديدة في يد البيت الأبيض إزاء الكرملين الروسي الذي لا يزال يتمتع بنفوذ بشكل أو بآخر في قصر الرئاسة ومقر الحكم في كييف.
هكذا تكاملت أبعاد الصورة الملونة والمثيرة أيضا لحركة الشارع والجماهير في اوكرانيا.. وركزت اللقطات البارعة على اللون ـ الرمز الذي اتخذته وتجسدت به حركة الجماهير ثم حملت هذه الحركة اسمها الجذاب المعروف وهو: الثورة البرتقالية. وبالمناسبة.. فإن تاريخ الحركات السياسية والدعوات العقائدية يرتبط في مراحل شتى بألوان الطيف على اختلاف المواقع والمراحل وتباين العقائد والمناسبات والثقافات: في التاريخ العربي الإسلامي..
كانت الراية الخضراء هي الرمز المحبب عند سيف الله المسلول خالد بن الوليد.. ومن بعده بقرون اتخذ العباسيون السواد شعارا لدولتهم.وفي التاريخ الحديث اتخذ البلاشفة وسائر دعاة الماركسية اللون الأحمر شعارا للدولة وايديولوجيتها فيما اتخذت منظمة الأمم المتحدة اللون الأزرق شعارا لمبعوثيها من قوات حفظ السلام الذين أصبحت تصدق عليهم تسمية «أصحاب الخوذات الزرقاء» في طول العالم وعرضه.
وفي وطن اليعاربة المحدثين.. عمدت حركات شعبية في لبنان وفي مصر مؤخرا إلى استخدام الشعار ـ اللون البرتقالي تأسيا بالنموذج الأوكراني وبثورة الشارع في كييف وضواحيها التي أطاحت بسياسي كانوا يعدونه من أولياء موسكو وهو رئيس أوكرانيا السابق ليونيد كوتشما.
وكم تابع المعجبون وقائع الثورة البرتقالية منذ ربيع العام الماضي وكم عقدوا الآمال على تحالف ما بعد الإطاحة بالسيد كوتشما حيث كان الأمل أن يتحول زهر البرتقال إلى ربيع أوكرانيا واعدا بإصلاح الاقتصاد وخفض معدلات التضخم ومواصلة برامج إعادة الهيكلة وتصحيح المسار.
لكن ربيع البرتقال كان مآله إلى سراب: سرعان ما تكشفت حقيقته حين أصدر الرئيس الأوكراني الحالي (وهو بطل الثورة البرتقالية) فيكتور يوتشنكو أمره بإقالة الحكومة التي تولت مقاليد البلاد غداة نجاح «الثورة» وكان مقدرا لها أن تصل بالبلاد إلى حيث بشائر الربيع.أما الصخرة التي تحطمت عليها آمال أوكرانيا فحملت اسما واحدا لابد أن نعيه جيدا وهو الفساد.
تلك هي آفة عصرنا التي تهدد بتحطيم أي مكاسب سياسية وبإجهاض الآمال المعقودة على أي إصلاح في مجال الاقتصاد أو غيره. وكان السبب هو الخلاف الذي استحكم بين أهم طرفين في الحكومة، وكانا أهم حليفين في أيام ثورة المعارضة: الطرف الأول هو الرئيس فيكتور، والطرف الثاني هو رئيسة وزرائه السيدة ليديا تيموشكو التي أقيلت وهي سياسية تتمتع بشخصية جذابة آسرة ومؤثرة ـ كاريزمية كما يصفها مراقبو المشهد الأوكراني.
وبقدر ما جاء قرار الإقالة مفاجئا صباح التاسع من سبتمبر، جاءت تصريحات السيدة بوليديا حاسمة وجارحة أيضا حين قالت: ـ كان الرئيس يحثني على أن أمد يدى إلى عدد من خصومي (من الدائرة المحيطة بالرئيس). ولكن أمد يدى إلى قوم أيديهم مشغولة بأمور أخرى، لقد كانوا مشغولين بسرقة ثروات البلاد.
جاء هذا التصريح منطويا على اتهام مستتر لبطانة رئيس أوكرانيا التي اتهمتها رئيسة الوزراء بالتربح والمحسوبية ولدرجة أن استقال سياسي كبير كان من أقرب معاوني الرئيس قائلا: إن هذه الدائرة المحيطة بالرئيس فيكتور أصبحت أسوأ من البطانة الفاسدة التي أطاحت بها وحلت محلها.
«لقد تبددت لمعة لون البرتقال وذهبت أشعة بهائه».. هكذا كتبت جريدة الهيرالدتربيون الأميركية (عدد9/9/2005) مشيرة إلى أن تصدع النموذج الأوكراني جاء ضربة لآمال الإصلاح التي ما برحت تراود شعوبا أخرى في اقطار مجاورة مثل بيلاروسيا (روسيا البيضاء) وسائر الجمهوريات التي كانت تدور سابقا في فلك الاتحاد السوفييتي.
كاتب مصري ـ خبير في الإعلام الدولي