تتمتع بعض مدن العالم بالجمع بين مركزها السياسي وحيويتها الاقتصادية لتغدو اماكن جذب ساحرة للناس ومركزا تعشقه الحياة وهو ما يطلق عليه الكوزموبوليتانية وكان منها: جمهوريات المدن الايطالية ومدن غربي أوروبا وأميركا ومدن التنين الآسيوي مؤخرا، في سنوات بعيدة مضت، ثمة أماكن عربية كان لها حيويتها وإشعاعها وتأثيرها سياسيا وثقافيا قد تحقق في القاهرة أو بيروت أو بغداد، ولكن تبقى الكوزموبوليتانية نوعا آخر من عبقرية المكان وسحره.

وهذا ما لم تنله أي مدينة عربية باستثناء دبي في النصف الثاني من القرن العشرين ومن قبلها بيروت في النصف الأول منه، وخصوصا امتلاك اكبر قدر من الجاذبية والسحر والاناقة الجغرافية! فمن دواخل التجربة تخرج التصورات والمفاهيم التي تدلُّ حيويتها على الجديد في هذا العالم العربي الذي لم يطّور من حياة مدنه ولم يسع إلى ان يغدو مالكا لاكبر مراكز الجذب علما بأنه يمتلك اهم موقع جغرافي يتوسط الدنيا.

لقد انتعشت عبر تاريخ حضاري طويل عدة كوزموبوليتانيات عربية جاذبة في نظر العالم كله: مدنا كانت قد وظفت عبقرية امكنتها وابتكرت نضوجاً حضارياً، مثل: البصرة والإسكندرية وتونس وقرطبة ووهران وكازابلانكا والموصل وحلب، وغيرها إذ لعبت أدواراً أساسية في تغيير الذائقة الحضارية والاقتصادية العربية، وكان العالم كله يتعطّش لها بفارغ الصبر نظير قوتها الاقتصادية وتأثيرها في التجارة وصنع الحياة والثروات والبهجة والتقدم.

إن العرب ـ ويا للأسف الشديد ـ لم يولوا عنايتهم بمدنهم وجغرافياتهم كما لم يولوا أي عناية بتطور إنتاجهم ونمو قوتهم الحضارية، لقد انشغلوا بالهيجانات السياسية وبالانقلابات العسكرية والثورات الدموية والاحزاب والايديولوجيات واستيراد المفاهيم الفضفاضة التي لم يدركوا معانيها،

وعاشوا طوباويات لم تتحقق، ونالت منهم الحروب التي فشلوا في ادائها فاكتسحتهم الاوبئة السياسية والموروثات العقيمة وتخلفوا عن ركب العالم وحلّت المتاعب في مدنهم التي غدت عقيمة وبائرة وقبيحة ومكتظة، ولم يعد من السهل مقارنتها بنظيراتها في العالم، بل ولم يعد لها بريقُ الوهلة التاريخية الأولى.

وكم كان رائعاً على تلك المراكز الحضرية التي بقيت حية في الذاكرة العربية أن تغدو صورة من صور الحرية بكل قواها الحية. لقد كان للقاهرة وبيروت وبغداد ودمشق والقدس والجزائر وتونس، أدوارها الرائعة في النصف الأول من القرن العشرين، ولكنها انتكست جميعها انتكاسات مريرة،

في حين نضجت على مهل كل من الكويت ودبي وابوظبي والشارقة والعين وجدة والرياض ومسقط والمنامة والدوحة وغيرها من مدن الخليج العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، لتغدو مدينة دبي اقوى مدينة كوزموبوليتانية عربية عند مطلع القرن الواحد والعشرين نظراً لما حققته من انجازات اقتصادية ومكاسب حضرية فضلاً عن كل من أبوظبي والكويت والشارقة،

وكلها كوزموبوليتانيات تسودها اليوم الدهشة والرغبة في المغامرة فكراً وحياة وقوة اقتصادية وحركة استقطاب تجاري مؤثر، وستبقى هذه العواصم اماكن جذب حقيقي ليس للبشر فحسب، بل لرؤوس الأموال والشركات متعددة الجنسيات وقوى الإنتاج.

يمكنني القول إن المكان العبقري بتطوره وكوزموبوليتانيته بات جزءاً من الحياة الحقيقية، ولم يعد للمدن التعيسة المختنقة أي وجود، ولا دور في وقائع الحاضر. وهنا لابد ان ادعو كل البلدان العربية ان تأخذ بتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة التي برزت بفضل التخطيط والحكمة في توظيف عبقرية المكان ليغدو جاذبا مراكز المحيط.

لقد نجحت كوزموبوليتانية دبي نجاحا باهرا كقوة جذب حقيقية لكل الموارد الحضارية والقوى الاقتصادية. لقد تفوقت ايضا كل من ابو ظبي والعين والشارقة تفوقا نوعيا وصنعت من امكنتها جذبا حقيقيا للعالم وخلال فترة زمنية قياسية لا يمكن ان تقارن ابدا مع اعمار دول المدن الاخرى في التاريخ، فهل استوعب العرب في كل مكان دروس الابداع في كوزموبوليتانيات المدن الجاذبة؟

إنني اسأل الآن دولاً عربية كبيرة وثرية مثل العراق ومصر والجزائر وسوريا وليبيا: ما الذي جعل مدنها اليوم بائسة وهي لم تحافظ حتى على ما خلفه المستعمرون فيها منذ خمسين سنة؟ علما بأنها دولا متمكنة ولها قوتها البشرية ولها مواقعها العبقرية؟ ما الذي يخّلص مدن العرب اليوم قاطبة من فجائعها القادمة سواء من سوء هوائها أو من اكتظاظ سكانها أو من بشاعة مناظرها أو من بؤس شوارعها أو من كون بناياتها الكسيحة القديمة علب سردين محشوة بالناس البائسين؟

ما الذي تتطلبه حاجات هذا القرن وضروراته من العرب؟ إنني أنادي بثورة مدينية عربية حقيقية من اجل اعادة الحياة لمدننا قاطبة والتي شهدت ادوارا عملاقة في التاريخ. إن العطب ليس في المكان بذاته، بل يكمن الخلل في الانسان والمجتمع والدولة، فهل سيبدأ العرب نهضة كوزموبوليتانية من اجل خلق مدن ساحرة جميلة رشيقة يعشقها العالم كله؟

إن الكوزموبوليتانية مستقبل وحياة يخلص مجتمعاتنا من كآبتها وسكونيتها وخمولها ومن بقاياها المعاقة ومواريثها العقيمة!! إنها ستمتلك فرادة تاريخية لأنها في قلب العالم؟ وأنَّ أي اكتشاف، مهما كان، لم يعد اليوم دهشةً ولا تغوّراً، لماذا بتنا وكأننا نعيش بلا مستقبل، وأسرى بهرجة الماضي، والحاضر كسيح وهو أشبه بمنظور نُطلُّ منه على غد جوّال.

أنعيش، نحن العرب، على عكس المجتمعات الطبيعية، الأوروبية مثلا، التي حققت ماضيها على نحو تعيش معه حاضراً، بوصلته مستقبل الحنين، ليس نكوصاً؟ كيف كانت مدننا العربية تتحرك في الماضي؟ ولماذا هذه الصيرورة إلى مستقبل مختوم بالشمع الأحمر، وليست صيرورة نحو الانفتاح إلى حقل معلوم من التجارب والعبر التي يزودنا بها العالم؟ فهل استوعبنا التجربة؟ هذا ما اردت اثارته اليوم عسى أن تنفع الذكرى.

مؤرخ عراقي