لا يخلو يوم عملٍ لأي فردٍ منا من التعرض لضغوط تتفاوت في مقدارها بين يومٍ وآخر؛ فتشتدّ في يوم، وتقل في غيره، وفي مواجهة هذه الضغوط يجب أن يتحلى الفرد بقدر كافٍ من القدرة على ضبط عواطفه وانفعالاته كي يتمكن من التغلّب على الموقف الذي قد يُجر إليه جراً بفعل فاعل خبير متمرس في مثل هذه السلوكيات، في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى، قد يجد نفسه فيه نتيجة تراكم ظروف جمعتها الصدفة البحتة.
وفي كلتا الحالتين يجب على الفرد أن يحسن التصرف حيال مواقف كهذه، تضعه في اختبار أمام نفسه قبل أن تضعه في اختبار أمام الآخرين. وليس العمل هو المكان الوحيد الذي قد يتعرض الفرد فيه للضغوطات بأشكالها ومستوياتها المختلفة، ولكنه قد يكون أهمها.
وتأثير مثل هذه المواقف لا يمس الفرد الواحد فقط، كما أنه لا يتوقف عند علاقة فرد بآخر، بل يمتدّ ليشمل أفراد المجتمع عامة، لأن الإنسان بطبيعته لا يعيش منعزلاً عن مجتمعه، بدءاً من انتمائه للأسرة التي تمثل نواة المجتمع، وصولاً إلى انضوائه في عملٍ ما، مروراً بكل مكان خارج هذين المكانين الرئيسيين في حياة الفرد الواحد مما يمثل المجتمع الذي يعيش فيه.
إننا، يومياً، نحتك احتكاكاً مباشراً بأفراد يختلفون عنا مرتين، المرة الأولى هي اختلافهم فيما بينهم في الجوانب النفسية والاجتماعية والفكرية وغيرها، والمرة الثانية هي اختلافهم عنا في كل هذه الجوانب، والمطلوب من كل فرد في المجتمع أن يمتلك مهارة التواصل مع بقية الأفراد، بغضّ النظر عن اختلافهم فيما بينهم أو اختلافهم عنه، تواصلاً سليمًا، متوازناً، منضبطاً عاطفياً،
وبتحقيقه لهذا الأمر سيتمكن من التغلب على معظم الضغوط التي تواجهه، وستكون هذه خطوة في طريق تحقيق الرضا والتوافق بين أفراد المجتمع.شخصياً، مررت قبل أيامٍ بموقف وجدت نفسي فيه أؤدي اختباراً في القدرة على ضبط العواطف والانفعالات، والتغلب على ضغط نفسي موجه من قِبَل شخص لا يعنيني تحديد نواياه آنذاك، بقدر ما يعنيني تقديم تقييم لأدائي أثناء الاختبار. لقد قمت بعد انتهاء الاختبار بالخلوة بنفسي، لتقييم أدائي فيه، فوجدت أنني لم أنجح في الاختبار.
في هذا الموقف قمتُ بالتعبير عن عواطفي وانفعالاتي بطريقة عفوية وتلقائية، ولهذا لم أنجح، وأرى أنه لهذا السبب نفسه لا ينجح الكثيرون في اختبارات مثل هذه، تستدعي نوعاً معيناً من الذكاء، غالباً ما يكون مهملاً أو منسياً في حياة الكثيرين منا، إما لعدم إدراكنا أهميته، أو نتيجة اعتقادنا بعدم حاجتنا إلى تعزيز جانب مثله لأنه في شخصياتنا أقوى من أن يعزز، أو لأن النفسيات كانت حتى سنوات خَلَت غير النفسيات اليوم،
فلم نهيئ أنفسَنا لمواجهة هذا التغير الطارئ علينا، أو لأسباب لا تحضرني الآن، المهم هو أن هذا الجانب، في رأيي، لا يجد اهتماماً يتناسب وأثره في الاستقرار النفسي والسلوكي والاجتماعي للفرد والمجتمع في آن، خصوصاً لمن يقضي وقتاً طويلاً من يومه خارج جدران منزله، مما يعني تعرّضه للتعامل مع شرائح أكثر تنوعاً ممن يقضي معظم وقته في المنزل.
إن هذا الجانب المغيّب والمهمش هو جانب (الذكاء العاطفي)، والذي يعني الاستخدام الذكي للعواطف، بحيث تُوظّف لخدمة الفرد نفسه، إذ يتحسّن بها سلوكه، ويصبح مستوى تفكيره أكثر انضباطاً، مما يزيد من فرص نجاحه، أنى كان موقعه في المجتمع.
إننا نباهي كثيراً ب(ذكائنا العقلي) أو الإدراكي، ونفخر بإنجازاتنا العلمية، وبقدرتنا على تحصيل أعلى الشهادات، وقد يمتد اهتمامنا ليشمل جانب (الذكاء الاجتماعي)، الذي يهتم بقدرتنا على فهمِ أفراد المجتمع باختلاف فئاتهم، والتعامل معهم ضمن العلاقات الإنسانية. أما (الذكاء العاطفي)، الذي بدأ الحديث عنه في منتصف تسعينات القرن الماضي، على يد (دانييل جولمان)،
حين أصدر عام (1995م) كتاباً يحمل المصطلح ذاته (الذكاء العاطفي) عنواناً له، فإنه لا يزال مغيباً على مستوى فهمنا واستيعابنا وتطبيقنا له بصورة عملية في حياتنا اليومية. ويشير هذا المصطلح إلى ضرورة امتلاك الفرد القدرة على ضبط العواطف والانفعالات، وذلك بإظهارها، سواءً أكانت إيجابية أم سلبية، بطريقة سليمة، ومحاولة تجنب كبتها، أو التعبير عنها بطريقة غير سليمة.
ويفهم مما تقدّم أن هذا النوع من الذكاء فطري، ولكن من الممكن اكتسابه، وتنميته، وتعزيزه. كما يفهم منه أنه لا يعني إظهار العواطف والانفعالات الإيجابية في مقابل إخفاء السلبية أو كبتها، بل يجب إظهارها كلها، ولكن المهم هو كيفية إظهارها، وهذا يحتاج إلى نوع من الموازنة في طريقة التعامل مع العواطف والانفعالات،
لأنها تؤسس لنوعية العلاقة التي تربط الفرد بالمجتمع؛ إذ قد يؤدي كبت تلك العواطف وإخمادها في بركان النفس المتأججة بالفرد إلى حالة من التوتّر الذي قد يؤثر على صحته النفسية والجسدية، ويجرّه إلى العزلة الاجتماعية. كما قد يؤدي التعبير عن تلك العواطف دون ضبط إلى نفور الناس من الفرد ووسمه بالعدوانية وما شابه ذلك.
وبالعودة إلى الموقف السابق الذكر أجد أن عدم نجاحي في التعبير عن انفعالاتي بطريقة سليمة لتجاوز هذا الموقف، كان ذا أثرٍ إيجابي في حياتي، إذ دفعني إلى القراءة في العلم الذي يهتم بهذا النوع من أنواع الذكاء، ومحاولة تنميته وصقله كي أتمكن من خوض الاختبار القادم وأنا متسلّحة بالعدّة اللازمة لذلك.
إن امتلاك ناصية (الذكاء العاطفي) يساعد على توجيه الفرد نحو الطريقة السليمة في التعبير عن العواطف، دون أن يترتب على ذلك خسائر نفسية أو اجتماعية. كما أنه يعلمه أن يكيف نفسه على التعامل مع الضغوط الموجهة بقدر أكبر من المشاعر الإيجابية مع الاحتفاط بها لأطول فترة ممكنة، ويبدو أنه أصبح في الوقت الحاضر، وتحت الضغوطات المتزايدة من مختلف جوانب الحياة، من أكبر احتياجاتنا.
sunono@yahoo.com
جامعة الإمارات