لو أن قنبلة نووية واحدة (من العيار الثقيل) انفجرت بالخطأ في مكان ما من الكرة الأرضية فإن ذلك الانفجار قد ينتج عنه سلسلة من الانفجاريات المتتابعة... في مشهد مروع لن يراه أحد وقتها.. ويتحول الكوكب الأزرق إلى مجرد ذرات من الغبار.
.... ونصبح في اقل من نصف دقيقة مجرد هياكل عظمية محترقة متناثرة تطير في الفضاء الكوني دون جاذبية! وينتهي تاريخ البشرية في أقل من غمضة عين!
وعندما تمت تجربة القنبلة النووية قبل ستين عاما في الولايات المتحدة الأميركية (مكتشفة وصانعة ومكونة القنبلة الذرية وأول دولة تقوم بتجربتها على الجنس البشري)، لم يكن العالم مستوعباً بعد لتلك اللعبة الخطيرة التي اسمها القنبلة النووية والتي لو كانت بحجم كرة تنس الطاولة لنتج عن انفجارها قوة تساوي 000,20 طن من الـ ت ن ت!!!
ورغم أنها لم تستخدم ضد الإنسانية إلا مرة واحدة فقط، ولسوء حظ الشعب الياباني دون سائر سكان الكرة الأرضية، إلا أن الخوف يكمن من أن تنفجر فجأة لأسباب تكنيكية خارجة عن إرادة البشر لتصبح خارج سيطرته!
إن من يتذكر ما حصل في إبريل من عام 1986 في مدينة تشرنوبيل في الاتحاد السوفييتي سابقا، والذي لم يكن يتعدى انفجارا صغيرا أدى إلى تسرب الإشعاعات النووية من مفاعلها النووي الذي تطاير إلى علو 1000 قدم نتج عنه سحابة من الإشعاعات غطت معظم قارة أوروبا الغربية ثم انتقلت إلى معظم أنحاء العالم، وقضت على مدينة بأكملها .
وما حولها (فقد تم إجلاء أكثر من ربع مليون شخص) وامتلأت مستشفيات الاتحاد السوفييتي بالنساء والرجال وخاصة الأطفال الذين أصيبوا بالإشعاع النووي، ومات منهم من مات وأصيب من لم يمت بأمراض مختلفة تفاوتت بين السرطان والعاهات المستديمة.. ومازالت آثارها باقية إلى هذه اللحظة.
إنه لم يتعد كونه انفجاراً فنياً لا إراديا، وكان سيمر دون أن يلحظه أحد لولا الأقمار الصناعية الأميركية المسلطة على كل قدم مربع من الأراضي السوفيتية، التي فضحت الكارثة. وربما حدث ويحدث كل يوم أكثر من تشرنوبيل دون أن نعرف عنها شيئا لأن مصالح الدول العظمى تتعارض مع تسريب مثل تلك الأخبار.
والمأساة تكمن في أن الأدوار السفلية من الكرة الأرضية تحولت إلى مخزن هائل لملايين الأطنان من أسلحة الدمار الشامل. وإن كمية الذخائر القابلة للانفجار الموجودة فقط تحت أراضي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية كافية لوضع حد لتاريخ كل الكائنات الحية على وجه الأرض!
ومازالت الدول الصغيرة والكبيرة، الفقيرة والغنية منها، وإلى لحظة كتابة هذا المقال، تسرق من جيوب فقرائها وأطفالها وعلى حساب ميزانيات مدارسها ومستشفياتها ومكتباتها ما يسمح لها بشراء المادة الأولية المنتجة لتلك الطاقة التدميرية بل وتتنافس في امتلاكها بحجة استخدامها للأغراض السلمية.
والكل يعلم أن هناك صلة بين الإدمان على المخدرات والإدمان على امتلاك القنبلة النووية. فالبدء في تعاطي الطاقة النووية للأغراض السلمية يجر بعدها إلى الرغبة في امتلاك فتيل صغير من سلاح القنبلة الذرية وهذا الأخير يجر إلى الإدمان المتزايد الذي لا يوقفه أحد!
ونحن اليوم محاطون من كل جانب بدول تعمل سرا وعلى مدار الساعة لتطوير قدراتها النووية؛ فحولنا الهند وإيران وباكستان والصين وكوريا الشمالية وعلى رأسهم الكيان الصهيوني. وهناك في الجانب الآخر من الكرة الأرضية الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وربما هناك دول أخرى لا نعلم عنها شيئا.
ولا يسأل عنها أحد لأنها على الأقل لا تشكل تهديدا لأمن (إسرائيل). ولحسن أو لسوء الحظ فإن الدول العربية (ما عدا العراق في عهد صدام الذي دمرت إسرائيل مفاعله النووي قبل أن يرى النور) لم تملك ولا نتصور أن تمتلك بعد اليوم سلاحاً نووياً.
لا شك أن هناك أيضا لعبة التوازنات الدولية التي تفرض نفسها. ولكن هذا الأمر قد خرج عن نطاق السيطرة، وأصبح من السهل امتلاك السلاح النووي حتى من قبل الأفراد ولم يعد مقتصراً على الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن!!.
وهناك سماسرة تخصصت بعد بيع السلاح في المتاجرة في المواد الأولية للأسلحة النووية التي تدر دخلا أكبر. وهناك دول فقيرة وخاصة في أفريقيا تؤجر أراضي مواطنيها لدفن النفايات النووية التي تأتي من دول العالم المتحضر مقابل حفنة من الدولارات.. فتقوم بتلويث المياه الجوفية بدلا من استصلاح تلك الأراضي لإطعام سكانها الذين يعانون الجوع والمرض!
وعندما نتحدث عن القنابل النووية المنتشرة تحت وفوق سطح الأرض وفي جميع الاتجاهات، فعلينا أن نضيف إلى الطين بلة! فهناك الأسلحة الكيماوية، والبيولوجية والجرثومية والفيروسية والأسلحة التقليدية التي يزيد وزنها مجتمعة على المليار طن وهناك غيرها من أسلحة القتل والتدمير والتفجير..
أي أننا أصبحنا نسير على سطح كرة أرضية تسبح على حقل من الألغام التي قد تنفجر تحت أقدامنا في أية لحظة. أما الوكالة الدولية للطاقة فقد أصبحت تعمل لحساب جهات أخرى، فتتعمد تجاهل التنين القابع أمامها ودأبت على مطاردة ملفات دولة صغيرة كإيران التي لا تملك حتى 1/1000000 من خبرة وإمكانيات الدول العظمى في هذا المضمار أو دولة لا تملك أساسا تلك الأسلحة كالعراق!!
إن العالم يسير في اتجاه اللامعقول والمتناقضات. فالعالم يعاني من الفقر والمجاعة والإرهاب وانتشار الأوبئة وتجارة المخدرات والجفاف والتلوث والاحتباس الحراري وجنون البقر.. ومئات مليارات الدولارات تصرف اليوم على تصنيع القنابل النووية وأسلحة الدمار الشامل... وتكديسها تحت الأرض!
والجميع في انتظار لحظة إشعال عود الكبريت!!!
dralaboodi@gmail.com
جامعة الإمارات