حاول الإنسان، وعبر العصور العديدة لتواجده على الأرض، البحث في إمكانية الخلود، وفي إمكانية المحافظة على طاقاته وحيويته لسنين طويلة من عمره. فملحمة جلجامش ترتكز على بحث ذاك البطل، جلجامش، عن العشبة التي سوف تمنحه الخلود وسعيه عبر مواجهات كثيرة في الحصول عليها.

و«إكسير الشباب» وصفة شكلت وتشكل هاجسا لدى العلماء والباحثين عن كيفية الاحتفاظ بطاقات وأشكال الإنسان على ما هي عليه في مرحلة الشباب. ولنا نحن أيضا في تراثنا أمثلة عديدة على النظر للتقدم في العمر بشيء من عدم الارتياح. فهناك في أمثالنا مثل يقول: «خلاك (بمعنى تركك) الموت ما خلاك الشيب».

و شاعرنا الكبير ابن ظاهر لديه أبيات كثيرة سجل فيها معاناته من الشيب الذي غزا رأسه وضعضع قواه، ومنها قوله لشبابه الذي يفارقه «تخليني لمن لا أهتويه». لكن كل هذا الإرث الثقافي المحلي وغير المحلي لم يصل في تمجيد مرحلة الشباب إلى الحد الذي نراه اليوم.

ولم يتم التعامل بسلبية مع الشيب في كل المجتمعات بالقدر الذي نلمسه هذه الأيام في العديد منها بشكل عام، وفي مجتمعنا بشكل خاص. فالذي نلاحظه من خلال الكثير من المؤشرات في المجتمع، والتي تتراوح بين قيم الجمال والتوظيف، أن هناك هوساً بمرحلة وفكرة الشباب بدرجة غير عادية. وهذا الأمر نلمسه بدرجة كبيرة في وسائل الإعلام.

والتي هي المصدر الأول للترويج للقيم الجديدة. ففي الوسائل يتجلى التركيز بشكل كبير على الشباب كأهم فئة مجتمعية (بطبيعة الحال للأمر بعد استهلاكي يتجاهله أو لا يدركه الكثيرون)، ومن خلال هذه الوسائل يتم الترويج أيضا للمقاييس الأفضل للشكل وللصحة. وليست إعلانات التجميل وإعلانات جراحات التجميل التي تملأ تلك الوسائل بشكل يومي إلا دليلاً قوياً على خلق مثل تلك القيم والترويج لها.

الباحثون في الشؤون الثقافية للمجتمعات، والذين هم معنيون بدراسة الظواهر التي تطرأ عليها والبحث في مرتكزاتها، يرون أنه ليس هناك من مرحلة زمنية في تاريخ البشرية تم فيها تمجيد مرحلة الشباب بالحجم الذي تم تمجيدها فيه في مرحلة الرأسمالية. فالرأسمالية قد نظرت إلى تلك المرحلة على أنها مرحلة الذروة في العطاء. وهو عطاء مرتكز بالدرجة الأولى على الطاقات الجسمانية للفرد.

والتي يتطلب منها أن تكون قادرة على الصمود لساعات عمل طويلة، سواء في المصانع أو الوظائف المكتبية، وأن يستطيع الإنسان من خلالها تحمل ضغوطات العمل المستجدة بدرجة عالية من الكفاءة. أما مرحلة الشيب أو الكهولة فقد اعتبرت، استنادا على تلك الرؤية، على أنها مرحلة غير مرغوب فيها، لأن صاحبها، كما تعاملت معه تلك الرؤية، غير قادر على العطاء بنفس القدر الذي يقدمه الشاب.

ومن هنا جاءت فكرة التقاعد، أي استبدال المتقدمين في العمر، حتى وإن كانوا في ذروة عطائهم، بالذين هم أصغر منهم سنا. ومن هنا أيضا نشأت أو تعززت فكرة أن الشيب مرحلة غير مرغوب فيها، لأنها تمثل للإنسان مرحلة الإقصاء، ليس فقط إقصاؤه من خانة الإنتاج العملي، ولكن أيضا إقصاؤه من خانة الحياة بشكل عام.

وتشير الدراسات التي أجريت في الغرب على الأشخاص المحالين للتقاعد على أن هؤلاء البشر لا تنحصر معاناتهم فقط في كونهم قد أخرجوا من أعمالهم، وأنهم يعانون من الفراغ وانعدام الإحساس بالأهمية نتيجة لذلك، لكنهم أيضا يبدأون في الإصابة سريعا بكل الأمراض التي ربطت بالكهولة؛ ومن ثم تبدأ حياتهم وصحتهم في التدهور السريع.

وتضيف تلك الدراسات، أن الإنسان لا يصاب بنفس القدر من التدهور في صحته البدنية والعقلية إذا كان لديه ما يشغل حياته به ويجعله يشعر بأهميته وقيمته الذاتية.

كما تؤكد أيضا أن التقدم في العمر حالة ذهنية، أكثر منها حقيقة جسدية، وأنها تحدث في الغالب استنادا على الرسائل التي يبثها الإنسان لنفسه، والتي تقول له بأنه قد أصبح عديم الفائدة وأن قواه الفكرية والجسدية آخذة في التدهور. ولقد انطلقت تلك الدراسات من تفاوت الحقائق في البيئات المختلفة حول أمراض الشيخوخة وحول النشاط الذهني للإنسان.

فعلى سبيل المثال، يرى الباحثون في هذه المجالات أن الإنسان يبقى محتفظا بسلامة قواه العقلية حتى وهو في السن المتقدمة، وأن عمر العقل قد يصل إلى المائة والخمسين سنه، دون أن يصيبه تلف أو تدهور (هذا في حال طبعا وجدت البيئة السليمة للإنسان).

وأن أمراض الشيخوخة ليست مستندة بشكل مباشر على التقدم في العمر بقدر ما تظهر كعلامة على أسلوب الحياة التي يعيشها الإنسان وكيفية تعامله مع نفسه. وهذا الأمر تمت ملاحظته من خلال التعرف على الأفراد المتقدمين في العمر الذين يعيشون حياة نشطة ولديهم أعمال يقومون بها، مثل أنهم يشغلون عقولهم باستمرار.

بطبيعة الحال قد لا يتمتع الكثيرون من الكبار في السن بالطاقة الجسمانية التي يتمتع بها الشاب، لكن ليس هناك من المؤشرات الفعلية التي تدل على أنهم قد أصبحوا أقل نشاطا في أذهانهم وعقولهم. كما أن الشاب في الغالب لا يمتلك الخبرة ولا الحكمة التي يتمتع بها الكبير في السن، والتي تأتي مع تراكم السنين والخبرات الحياتية.

الجانب الآخر والأهم في الترويج لمرحلة الشباب مرتبط بدرجة كبيرة بصناعة التجميل، والتي بدورها قد ازدهرت استنادا على الرؤية التمجيدية للشباب التي ذكرناها أعلاه.

لقد استغلت صناعات التجميل فكرة تمجيد الشباب واشتغلت على ترويجها بدرجة كبيرة من خلال رسائل القلق والمخاوف التي تبثها للبشر، والتي تركز فيها على أن علامات التقدم في السن هي حالة مرضية غير مرغوب فيها وأنه بالإمكان معالجتها.

وهذا هو ما يفسر لنا في الوقت الحاضر اندفاع الكثير من الناس للتعرض لما يسمى بالجراحات التجميلية والتي تتمثل في التخلص من الأجزاء المترهلة من الجلد وحقن المواد الكيماوية السامة تحته، دون أن يفكر هؤلاء الناس في، أو يدركوا (وبعضهم في الواقع يجهل) مخاطر تلك العمليات والآثار الجانبية التي تحملها.

لكن هؤلاء قد اختاروا هذه المسألة لسببين، الثقة غير الواعية ببعض الممارسات التي تتم تحت مسمى الطب والعلم، وكذلك الاعتقاد، كما توحي لهم إعلانات التجميل بشكل مباشر أو ضمنيا، بأن ما يواجهونه نتيجة التقدم في السن أسوأ بكثير من التعرض للجراحات وعمليات التجميل.

إننا ننسى في خضم الترويج والتمجيد لمرحلة الشباب أن كل شيء في الحياة، في الطبيعة وفي الإنسان، قابل للتغيير وخاضع لشروط التحول ومن ثم الفناء. فهذه سنة الحياة وهذا هو ما جبل عليه الكون، و ليس هناك من قلق من هذا الأمر إن كنا نعيش حياتنا وفقا للقناعات العقائدية التي نعرفها وعرفها الإنسان عبر العصور.

النقطة الأخيرة في هذا المقال هي عن الدور الخطير الذي تلعبه وسائل الإعلام المختلفة في خلق الهالة الأسطورية لمرحلة الشباب. فكل برنامج نراه وكل فيلم يقدم لنا يتعامل مع مرحلة الشباب بشيء من التبجيل والتقديس.

وبالمقابل فإننا قليلاً ما نرى في وسائل الإعلام صورة إيجابية ومستمرة لمظاهر التقدم في السن، بل على العكس من ذلك، كثيراً ما تقدم مظاهر التقدم في السن في وسائل الإعلام المختلفة على أنها غير المحبذة وغير المرغوبة والسلبية.

وهذا عكس ما كنا عليه في سنواتنا الماضية حيث كنا ننظر للشيخوخة و للتجاعيد بشيء من التمجيد والتبجيل، ونعتبرها علامات السنين التي تسجل في وجه الإنسان خبرته وتجاربه والحكمة التي اكتسبها في حياته.

الحقيقة التي لابد أن نواجهها جميعا هي أنه من المستحيل الإبقاء على طاقة وحيوية الجسد عبر كل مراحل حياتنا، وبالأخص في مرحلة الشيخوخة، لكننا يجب أن ندرك أيضا أن مرحلة الشيخوخة ليست قلقا مدمرا يجب أن نواجهه بالوسائل التي تقلل منه أو تلغيه. بل هي نتيجة طبيعية لوجودنا في الإطار الجسدي، والذي هو، وككل شيء في الكون يصيبه الهرم ومن ثم يصيبه الفناء.

كما يجب أن ندرك أن لمرحلة الشيخوخة جمالها هي أيضا، والمتمثل في كمية الخبرات والتجارب التي اكتسبها الإنسان في حياته، والتي تساعده بشكل كبير على أن يكون أكثر عطاءً وأكثر توازناً وأكثر قبولاً للأشياء.

جامعة الإمارات