لا يريد المرجفون بالمقاومة العنيفة الاعتراف بفضلها في إزاحة «الاستيطان الصهيوني» عن قطاع غزة، بعضهم يفعل ذلك عن قناعة ذاتية بأن العنف لم يعد مجدياً لحل الصراع على ارض فلسطين وجوارها.
وهؤلاء ممن يمكن التسامح مع أفكارهم السلامية وفهمهم لسيرورة عملية التحرير في ما يدعونه بزمن العولمة. لكن الذين يصعب ولا ينبغي إبداء التعاطف مع موافقتهم هم أولئك المشككين في دور المقاومة والعاملين عليه عن خبث وسوء طوية .
ومرجعية نفسية عدائية، حتى وان استيقنوا من خطر تحليلاتهم وحساباتهم إزاء نتائجها وجدواها عبر سياسة الاصطبار على مكارهها بالنفس الطويل والعض على النواجذ.
المستفز في هكذا موقف مكابر هو اشاحة أصحابه وتعاميهم عن حقيقة لم يعد ينكرها اشد الناس عداوة للمقاومة والمقاومين . أرييل شارون قالها تلميحاً وبعض بطانته قالوها تصريحاً.
بأن قرار إخلاء المستوطنات في غزة ما اتخذ وطبق إلا بعد التأكد من انه لا مستقبل للاستيطان اليهودي في منطقة استعصى أهلها على التطويع أو الإلحاق أو الدمج أو الترحيل القسري.. منطقة لم يعرف الإسرائيليون فيها طعم السكينة منذ اليوم التالي لاحتلالها عام 1967. والفضل ما شهدت به الأعداء.
ليس كثيراً بالمرة على شعب ضحى خلال السنوات الخمس الأخيرة فقط، بأكثر من أربعة آلاف شهيد وأربعين ألف جريح وعشرة آلاف معتقل من خيرة أبنائه وصفوة شبانه، علاوة على ما بذله من ماله ومتاعه وزروعه وقلوعه وممتلكاته، ليس كثيراً على شعب كهذا أن يطرد ثمانية آلاف مستوطن من أرضه. الكثير والمستهجن هو ألا يأبه البعض بهذه التضحيات ويتطوع بحذفها من حسابات شارون وخطته الأحادية.
نعى تماماً ان لهذه الخطة حسابات وتداعيات أخرى، بدأت إرهاصاتها تظهر الفعل في رحاب الضفة والقدس ولكن المطلوب والحال كذلك، ليس التهوين من شأن المقاومة دون استثناء وسيلة من وسائلها، وإنما تعظيم فعاليتها حتى تسوق تل أبيب، تحت حكم شارون او غيره، إلى اللوذ بخطة مماثلة للتعامل مع تلك الرحاب!.
على أن هناك ما هو ادعى لاستثارة الحليم من لؤم خصوم المقاومة العنيفة تجاه خطوة الإخلاء .. ألا وهو الاستخفاف بدور النضال الفلسطيني في التصدي للمشروع الصهيوني وحروب الفلسطينيين مع إسرائيل عموماً .
فمعظم وربما كل شراح ومنظري مؤرخي الحروب العربية الإسرائيلية على الجانب العربي لا يشيرون إلى هذا الدور إلا عرضاً وهم لا يصفون ما يعتمل على ساحة الصراع في فلسطين وجوارها بالحرب، إلا ان شاركت فيها دول عربية.
وهنا تستثنى المنازلات الفلسطينية المنفردة من هذا التوصيف.. يحدث هذا على الرغم من أن هذه المنازلات وديمومتها تمثل موضوعياً أحد أهم ثوابت سيرة الصراع على مدار قرن ونصف.
بصيغة أخرى، تميز المعالجات العربية بين حروب شاملة مع إسرائيل (أعوام 1948و1967 و 1973) وبين حروب محدودة اقل شمولية ( أعوام 1956 مع مصر 1982 في لبنان..) .. ولكنها لا تستطرد إلى الحرب الأطول عمراً في هذا السياق الصراعي : الحرب الفلسطينية الإسرائيلية ! والمدهش ان المصادر الإسرائيلية لا تستنكف عن هذا الاستطراد .
شارون نفسه تحدث غداة اندلاع الانتفاضة الثانية قائلاً إن بلاده تعيش «حالة حرب تستكمل بها حرب الاستقلال»، هذا في حين ان الاستراتيجيين العرب لهم رأي آخر أنهم لا يعبأون كثيراً بدراسة المواجهات الفلسطينية للصهيونية، مشروعاً ثم دولة.
والظاهر ان تنميط الحروب العربية الإسرائيلية الذي يجعلها شاملة او محدودة، ينطلق من حساب عدد الدول او الأطراف العربية. بالذات التي شاركت في كل موقعة. وهذه قاعدة ينبغي إخضاعها للمناقشة.. فنحن اذا تعاملنا معها على علاتها جدلاً - كما هو السائد في تأصيلات الصراع - لابد ان نتساءل بشأن مغزى العزوف عن تطبيقها عند التعاطي مع الجولات الفلسطينية الإسرائيلية؟
.. لماذا تستبعد المصادر العربية استخدام مصطلح الحرب الإقليمية المحدودة للتعريف مثلاً بالأحداث الجارية في فلسطين منذ بداية الانتفاضة الثانية؟ ! لماذا تمر هذه المصادر سريعاً على الأداء الفلسطيني الذي يتصل بالجوانب العسكرية من الصراع، على رغم انعكاساته البينة في كثير من المواقيت والمواضع سلباً او إيجابا على تفاعلات هذا الصراع وتجلياته؟
قد يعود ذلك للرغبة في التقليل من شأن هذا الأداء، او للميل في تضخيم الأدوار العربية الأخرى، أو لمداراة التقصير أحياناً في ردف الطرف الفلسطيني ومؤازرته، أو لغياب الكينونة السياسية لهذا الطرف في بعض مراحل الصراع .
او الاعتقاد بأن الحرب لاتكون حرباً الا بين الدول!. قد يقصد بهذا الاستبعاد اداء خدمة للقضية الفلسطينية تجل عن فهم البعض وإدراكهم، ونحن منهم. لكن المسألة ملفته حقاً وتحتاج إلى تفسير وتأمل، ثم أنها ليست وليدة المرحلة الراهنة.
فحين دخلت الجيوش العربية فلسطين واشتبكت مع «القوات اليهودية»، كانت جموع الفلسطينيين تولت على نحو منظم وغير منظم الاشتباك مع تلك القوات قبل ذلك بستة أشهر، فور صدور قرار التقسيم الشهير عام 1947.
ومع ذلك، عادة ما يتم التأريخ للحرب العربية الإسرائيلية الأولى بيوم 15 مايو 1948، بدون التوقف عند الفصل الفلسطيني من تلك الحرب. وكان الأولى والأصح موضوعياً هو اعتبار ان ذلك اليوم شهد تحول الصراع من الحرب الإقليمية المحدودة بين الفلسطينيين والمستوطنين الصهاينة، إلى الحرب الإقليمية الشاملة بين العرب وإسرائيل.
ولعل كثيرون لا يدركون أن إغفال الطور الفلسطيني عن حرب 1948 أفضى إلى عدم تفهم ما جرى في ذلك الحين على نحو معمق فمعظم نتائج الحرب وقتذاك، كالمذابح وتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على مدنهم وقراهم.
وتدعيم أسس الدولة اليهودية، تحققت بالفعل قبل 15 مايو، عن الاستفراد بالطرف الفلسطيني بين مطرقة القوات اليهودية وسندان الاستعمار البريطاني. هذا يعني ان الطور الفلسطيني المحدود من الحرب اثر على نتائج الطور العربي الشامل منها.
لن يضر العرب في شيء ان يعترفوا بفضل المقاومة الفلسطينية وحربها في كنس المستوطنين من غزة. بدون ذلك قد يقع البعض في خطأ تحليل واحدة من جولات الصراع الممتد في فلسطين على إحدى جبهاته الساخنة، جبهة الاستيطان، قدس أقداس المشروع الصهيوني.
كاتب فلسطيني