منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، بسطت الولايات المتحدة، نفوذها على جزء من شرق آسيا، من خلال نظام أمني مبني على إقامة التحالفات، مع اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان. وقد توسعت رقعة هذا النفوذ، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل العقد الأخير من القرن المنصرم.

ويعتبر التحالف الأمني، بين اليابان والولايات المتحدة، محور إدامة النفوذ الأميركي، بحكم كون اليابان أكبر قوة اقتصادية في هذه المنطقة. إلا أن هذا النفوذ، مهدد بالتداعي في الحالات التالية: تدهور اليابان اقتصادياً، صعود الصين، تراجع دور الولايات المتحدة عالمياً، نهوض روسيا، قيام تحالفات مضادة.

ويصطدم النفوذ الأميركي، في شرق آسيا، بمصالح دولتين هامتين، روسيا والصين، اللتين عاشتا فترة طويلة من تاريخهما، في خلاف حاد، حول المنهج في تطبيق الاشتراكية.

فقد بدأت عرى العلاقة الأممية، بين الاتحاد السوفييتي السابق والصين، بالانفصام، منذ عام 1956، حين انعقد المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفييتي الذي دان فيه خروشوف، الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي آنذاك، ممارسات العهد الستاليني، فاتحاً بذلك نهجاً جديداً، لم يرق للصين، التي انفردت بنمط خاص بها، في تطبيق الاشتراكية، تحت قيادة ماو تسي تونغ.

ومع سقوط الاتحاد السوفييتي، دخلت العلاقات الروسية ـ الصينية، طوراً جديداً، تصنع معالمه المصالح المشتركة بينهما، ففي نوفمبر 1993، وقع البلدان، اتفاقية تعاون عسكري، لتبادل الخبرات، مدتها خمس سنوات.

وقد تطور هذا التعاون، حتى أثمر في الثامن عشر من أغسطس الماضي، مناورة عسكرية مشتركة، هي الأولى بينهما، في تاريخهما الطويل، تحت مسمى «مهمة السلام 2005»، الهدف المعلن لهذه المناورة، هو التدريب لمواجهة الإرهاب.

وعقب المناورة، بفترة قصيرة، قامت روسيا، بنشر صواريخ إس 300 المتطوره والمضادة للصواريخ، في جمهورية روسيا البيضاء الحليفة لها. وهذه الصواريخ، لها القدرة على إصابة ستة أهداف، في آن واحد، وتستطيع إصابة الصواريخ المضادة، قبل وصولها بمسافات بعيدة. فما هي الأهداف الحقيقية، لهذا التقارب، غير المسبوق، بين هذين البلدين الكبيرين؟

، وما هي التبعات التي تترتب عليه؟. من الجدير بالذكر، ان روسيا والصين، قد طلبتا من الولايات المتحدة، في وقت سابق، سحب قواتها من قواعدها في أوزبكستان وقرغيزستان، وسط آسيا، وقد رفض الطلب من قبل وزير الدفاع الأميركي.

كما أن المسألة الكورية، لم تكن غائبة عن أجواء هذا العرض العسكري، فروسيا والصين عضوان، في اللجنة السداسية ذات العلاقة، بموضوع السلاح النووي الكوري الشمالي، ويطمحان أن يكون لديهما من الأوراق، ما يعزز موقفهما التفاوضي، لصالح عدم تقديم الكثير من التنازلات أمام الضغوط الأميركية واليابانية في شرق آسيا.

ورغم أن البلدين المشتركين في هذه المناورة، قد أعلنا عند بدئها، بأنها ذات طابع سلمي لا تستهدف أحداً، إلا أنها ليست كذلك، بكل تأكيد. فهي تكشف عن عمق التقارب بين القوة العظمى الآفلة، والقوة العظمى الناهضة.

وتبعث من خلال عرض القوة، ومن خلال الإيماءات التي تخللته، رسائل لأطراف عدة، خاصة وأنها تضمنت، عملية هجوم وإنزال برمائي، في شبه جزيرة شاندونغ الصينية. وقد اشترك في الهجوم، غواصات وقاذفات روسية استراتيجية بعيدة المدى، وصواريخ كروز متطورة. وتضمنت المناورة نزول قوات الكوماندوس والبحارة الروس في شاندونغ، قبل بدء الهجوم عليها.

من الواضح أن لكل من هذين البلدين، أهدافه الخاصة، من وراء هذه المناورة، فالصين بعرض القوة هذا، تبين مدى ما أنجزته، من تطوير وتحديث، في مؤسستها العسكرية، خاصة تطوير قدراتها البحرية والجوية، جنباً إلى جنب نموها الاقتصادي المتميز، مسلطة بذلك المزيد من الضغوطات، على تايوان وعلى التحالف الأميركي الياباني.

أما روسيا فهي تسعى إلى التخفيف من الضغط الاستراتيجي، الذي تتعرض له، من حدودها الغربية في أوروبا، ومن حدودها الجنوبية في آسيا. فقد زحف خط التماس، بين حلف الأطلسي والمعسكر الاشتراكي السابق، من موقعه الأول على الحدود الألمانية، ليصبح على الحدود الروسية نفسها، بعد ان ابتلع حلف الأطلسي بولندا ودول البلطيق.

وفي الجنوب، وصل خط التماس الأميركي الروسي، إلى الحدود الروسية أيضاً، بعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان، وبعد أن منحت بعض دول آسيا الوسطى، والتي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي، تسهيلات عسكرية، للولايات المتحدة.

إلا أن هنالك أهدافاً أخرى مشتركة، تكمن وراء هذا التقارب، بين البلدين الكبيرين، اللذين يشتركان بحدود تمتد إلى مسافة أربعة آلاف كيلومتر. فهما يؤسسان لمرحلة جديدة من العلاقات المبنية على الثقة المتبادلة.

وعلى الرغبة المشتركة في حماية سيادتهما الوطنية، وحماية مصالحهما الإقليمية، ومسؤوليتهما المشتركة في إدامة السلم والاستقرار في شرق آسيا، وحاجتهما لتوسيع فضاءات النمو والتطور الاقتصادي، وإرادتهما المشتركة في السعي لإنشاء نظام سياسي وإقتصادي عالمي معقول وعادل.

هذه الأهداف المشتركة، هي التي ساعدت على نشوء هذا التعاون الاستراتيجي بينهما، فهما يهدفان إلى التقليص، من حجم النفوذ الأميركي، في شرق آسيا. وهما إذ يسلطان الضغط على الولايات المتحدة واليابان، فإنهما يسعيان، إلى عزل كوريا الجنوبية عنهما، لصالح تكوين تحالف جديد، بين روسيا والصين والكوريتين، خاصة بعد أن نجحت الصين في إقامة علاقات جيدة مع كوريا الجنوبية.

قد تدفع الولايات المتحدة، ثمناً باهظاً في شرق آسيا، بسبب تزايد تورطها، في الشرق الأوسط، في العراق خاصة، فمنذ الحادي عشر من سبتمبر، عام 2001، أصبحت أقل انشغالاً، بالقضايا الجيو سياسية والجيو اقتصادية، في شرق آسيا، وأقل تعاملاً مع هذه القضايا الاستراتيجية. فالمدخل السياسي الأميركي، في هذه المنطقة من العالم، يغلب عليه سمات، ردود الفعل المنطلقة من الهاجس الأمني، مثل السلاح النووي الكوري وقضية تايوان.

فمما يقلق الغرب، هو فشل إدارة الرئيس بوش، في وضع استراتيجية متماسكة للتعامل مع الصين، إذ أن مواقف الولايات المتحدة تجاه هذه الدولة الصاعدة، تبدو بشكل متزايد، كأنها استجابات مرتبكة، لضغوط داخلية، تسلط من قبل ائتلاف يضم الأوصياء على الإدارة الحاكمة.

ومن المنظرين المحافظين الجدد، وضغوط خارجية متصاعدة، قدر تصاعد الدور الصيني في العالم. و ليس من المستغرب، أن تجد الولايات المتحدة، نفسها، تدريجياً، مهمشة في التغيرات السياسية والاقتصادية، التي تجري في شرق آسيا، حيث تواجه منازلة مع الصين الحديثة، المتحالفة مع روسيا.

أجرت روسيا، في السابق، العديد من المناورات العسكرية، مع دول كثيرة، منها الولايات المتحدة نفسها، ومع دول أخرى، أعضاء في حلف الأطلسي، ومع الهند ومع اليابان. إلا أن هذه المناورة قد قوبلت، بشعور من القلق وعدم الارتياح، من قبل الولايات المتحدة، التي أبدت اهتماماً كبيراً بتفاصيلها، التي تتضمن أهدافها والطريقة التي أجريت بها، وبفاعلية الأسلحة الجديدة التي جربت. وقد كان اهتمام الولايات المتحدة منصباً، بشكل خاص، على طريقة الاتصالات، وآلية القيادة والسيطرة، ومدى التطبيقات الإلكترونية، وحجم ووسائل تبادل المعلومات بين البلدين.

من المتوقع أن يكون لهذا التقارب، بين روسيا والصين، أثر واضح، على ميزان القوى في شرق آسيا، قد تتضح بوادره الأولى، في تصلب موقف كوريا الديمقراطية، عند استئناف المفاوضات حول برنامجها النووي قريباً، خاصة بعد أن أصاب إعصار كاترينا، كبرياء وهيبة الولايات المتحدة في الصميم.

magamal@emirates.net.ae

كاتب عراقي