لميديا الإعلام ثلاث وظائف رئيسية ـ كلاسيكية كما قد نسميها لأنها أول ما يتعلمه الدارسون في معاهد الاتصال الجماهيري في طول الدنيا وعرضها: هنالك يقول لهم معلموهم: إن الميديا لابد أن تؤدي رسالتها نحو الفرد المتلقي من خلال مهامها الثلاث: أن تخبرك بما يدور من حولك + أن تثقفك بشأن دلالات ومعاني هذا الذي يدور + ولا بأس أن ترفه عنك لكي تخفف عناء تلك المعاني ومسؤولية تلك الدلالات.

ولقد نبعت هذه المهام ـ الوظائف الثلاث مع نشأة علوم الاتصال الجماهيري في عقدي الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، ومن ثم مورست وتبلورت على نحو أو آخر بعد تجربة الحرب العالمية الثانية إلى أن أصبحت متعارفاً عليها، على صعيدي النظرية والممارسة خلال سنوات الحرب الباردة.

حيث كان الشأن العالمي مبسطا ومباشراً وشديد الوضوح في ضوء تقسيم النفوذ السياسي والعسكري في عالم نصف القرن الأخير بين كتلتين أو معسكرين شرقي وغربي وكان بينهما هامش يضيق أو يتسع تشغله مجموعة ـ لا نقول كتلة ـ حملت يوما اسم عدم الانحياز.

زوال التقسيم القديم

مشكلة عالمنا أنه ازدادت أموره تعقيدا بعد أن راحت الأيام الساذجة الخوالي ـ أيام التقسيم الجغرافي والأيديولوجي البسيط إلى شرق وغرب وإلى شيوعية ورأسمالية وإلى حلف وارسو وحلف الأطلسي.. أيامها كان بالإمكان إصدار أحكام قاطعة وربما ميسورة على نوعية وتوجهات المعلومات والأخبار والآراء المطروحة في ميديا الإعلام على أساس أن ثمة مسطرة كان متعارضا عليها تقسم هذه النوعيات والتوجهات إلى يسار ويمين،

ولكن منذ زوال التقسيم القديم والمريح أيضا ـ وكان ذلك مع عقد التسعينات بدأت الأمور تتداخل والأحكام تضطرب والمبادئ تتداخل، ومعها بدأ أو فلنقل استشرى اتجاه تلوين الحقيقة وتشويه الحقائق والإمعان إلى الإغراق في ممارسة أنكى وأخبث أنواع الخداع الإعلامي..

إلى حد تلبيس الحق بالباطل كما يقول المصطلح الفقهي الإسلامي أو هو التلوين الإعلامي المكذوب الذي تنصرف إليه عبارة «غزل ونسج الأراجيف»، (spin) في مصطلح الإعلام الأميركي الراهن.هذه الصناعة المستجدة ـ من حيث احترافها المهني وليس طبعا من حيث أصولها وعتاقة ممارستها.. نمت وازدهرت ـ كما يتصور منذ حقبة الرئيس السابق بيل كلينتون..

إلى حد أن أصبح لها اختصاصيون محترفون يحملون لقب «دكاترة غزل الأراجيف الإعلامية» وإلى حد أن صدرت في هذا المضمار دراسات وكتب (قد نشير منها إلى كتاب الصحافي والمحاور السياسي التلفزيوني الأميركي «بيل بريس» بعنوانه الطريف «أرجوك أغزل لنا هذا») ويقصد الرجل بالطبع أن «هذا» قد يصدق على الخبر أو الوثيقة أو الواقعة أو الرأي أو التوجيه.

حكاية النيران.. الصديقة

وفي هذا السياق، وباختصار شديد، يشير دهاقنة الإعلام في واشنطون إلى أن ثمة عبارة اصطلاحية يمكن أن تلخص جوهر هذا الفن من الخداع الإعلامي وهى: إن جنودنا تعرضوا إلى «نيران صديقة».ورغم البراءة البادية أو المصنوعة التي تبدو بها العبارة، فمن البديهي أنها تنصرف إلى تلوين وتخفيف الحقيقة التي تفيد ـ موضوعياً ـ بأن جنودهم قد لقوا حتفهم وان الكارثة زادت تفاقما لأنها جاءت على يد زملائهم ورفاقهم مما يدل على نقص في الكفاء وخيبة في التخطيط وسوء في التنفيذ.

وقد يفوت هذا التلوين الإعلامي المكذوب مرة أو في مرات حين يتعلق بحالة أو حتى جماعة من الأفراد، لكن الخطر لا يلبث أن يستفحل ويتفاقم حين يمتد الخداع الإعلامي إلى مجال السياسة ومن ثم إلى القضايا الحياتية التي تتعلق بحياة الشعوب ومصائرها.

انسحاب غزة.. نموذجاً

وأقرب نماذج هذا الخداع الإعلامي ويرافقه التضليل السياسي هو قرار الصهيوني شارون الانسحاب من قطاع غزة، وما واكبه ولايزال يواكبه من عواقب وملابسات، صحيح أن من حق الأخوة الفلسطينيين في غزة أن يذوقوا طعم الاحتفال بما استجد على حياة القطاع اليومية من تخفيف لمعاناة الناس ومن اتاحة الفرصة لاسترداد الأنفاس، بعض الأنفاس بعيدا عن وجود الاحتلال الكئيب.. لكن الصحيح أيضا هو.. أن توضع الأمور في إطار منسوبها الصحيح بغير تهوين أو تهليل.

وأن تفتح العيون والبصائر على واقع ما مارسته آلة الدعاية الإسرائيلية من تلوين للحقائق وخداع لشعوب العالم وإظهار الاحتلال الصهيوني العنصري في ثوب الجاد المسالم والمتنازل الذي ينسحب من أراض محتلة وفي ظروف صعبة إنسانياً على مستوطنيه الطيبين المساكين!.

في هذا السياق أمامنا مفكران فلسطيني وأميركي، اثنان من المفكرين الثقات لم يفت أيا منهما تلك الظاهرة المخادعة في قرار الانسحاب من طرف واحد لفك الارتباط الأحادي الجانب الذي مازال آرييل شارون ينال من أجله أكاليل المديح والثناء..

.. أولا يكتب المثقف الفلسطيني البارز الدكتور مصطفى البرغوثي

موضحاً أن انسحاب غزة ثم استخدامه للتغطية ولتبرير فرض إسرائيل حلها المنفرد لجميع قضايا الحل النهائي عبر جدار الفصل العنصري بضم وتهويد القدس وتقطيع أوصال الأراضى الفلسطينية، المحتلة إلى جيتوات ومعازل وتحويل فكرة الدولة (الفلسطينية) المستقلة إلى دويلات هزيلة..

في إطار نظام تمييز عنصري أسوأ من نظام الآبارتهايد الذي ساد جنوب افريقيا (البيان، 7/9/2005) ثانيا يكتب مثقف وأكاديمي أميركي وبارز هو البروفيسور ريتشارد فولك، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة كاليفورنيا مقالا ضافيا اختار له عنوانا لا تخفى دلالاته المباشرة منذ الوهلة الأولى وهو: «أوهام غزة».

مقال المفكر الأميركي يقول بالحرف الواحد:

ـ من أبرز تجليات الخداع (الوهم السياسي) ما جاء في تصوير 8 آلاف مستوطن إسرائيلي غير شرعي في غزة على أنهم «ضحايا» خلال عملية فك الارتباط التي تمت مؤخراً. لقد ضاعت الحقيقة عند الميديا الإعلامية التي مارست لعبة اللف والدوران.

ـ حقيقة أن إسرائيل كانت تتحدى قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة والرأي العام العالمي عندما أقامت مستوطناتها (غير الشرعية) في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967.. وكان ذلك أمرا يحظره القانون الدولي على نحو ما تؤكده المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة.

وكم كان بودنا أن نسهب في عرض هذا المقال الطويل.. والشريف أيضا الذي نشره البروفيسور الأميركي فولك في أحدث أعداد مجلة «نيشن» (21/9/2055). إلا أننا قد نكتفي بأن نلفت معه النظر والوعي إلى الخطورة التي يعبر عنها المفكر الأميركي في عبارات يقول فيها بالحرف أيضا:

ـ برغم الصور التليفزيونية المثيرة للعواطف عند إجلاء المستوطنين إلا أن دوافع إسرائيل تتسم أساسا بقدر ما يخفي من الخبث وسوء الطوية: انها تستخدم مستوطنات مؤقتة ومرحلية وبعدها تعلن حكاية فك الارتباط لكي تكسب بها ورقة مساومة تقصد من خلالها إلى ترسيخ وتوطيد قبضة إسرائيل على الضفة الغربية.

و.. هكذا تحدث أستاذ أميركي كبير.. وبديهي أن الضفة الغربية هي الأرض ـ الأساس والرقعة الجوهرية لقيام كيان سياسي فلسطيني يمكن أن يتمتع بأسباب الحياة والاستمرار.

كاتب مصري ـ خبير في الإعلام الدولي