مع إجراء أول انتخابات رئاسية مصرية تنافسية وتعددية، وبرغم النتيجة التي قد تصب في خانة استمرار الرئيس الحالي حسني مبارك، تكون مصر على موعد مع ميلاد سياسي جديد طال انتظاره، وإنجاز قطيعة حقيقية مع تاريخ قديم وممتد نسب فيه إلى «شخصية مصر» نمط الخضوع أو «الأبوية » على صعيد الثقافة السياسية.

وهو مفهوم يستند إلى الأدبيات النظرية الشائعة في الغرب وتجد لها أصداء مصرية تراوح بين « نمط الإنتاج الآسيوي» و«المجتمع الهيدروليكي» و«الدولة النهرية » وجميعها تعني - تقريباً - فرض الطبيعة الجغرافية لنوع من الحكومات متطرف في مركزيته، ونوع من المجتمعات متطرف في خضوعه لأي سلطة.. ودونما رغبة أو قدرة على محاسبتها، أو المشاركة في اختيارها .

وهو ما كان يعني حسب تلك الأدبيات أن الثقافة السياسية المصرية ـ وبفعل الحتمية الجغرافية ـ تعيش ما يشبه حالة خصام فطري مع مثُل الحداثة السياسية. وبرغم صحة وصف المشهد التاريخي ـ السياسي المصري بـ «الأبوية» على وجه الإجمال، يبقى الخطأ في تفسيره، والذي لا يرجع في اعتقادنا إلى أي نوع من الحتم الجغرافي، بل إلى حقيقة أن الثقافة المصرية حتى بداية القرن العشرين لم تكن قد أنجزت القطيعة التاريخية مع بنية العصر الوسيط، ولم تلج فضاء الروح الحديثة، إذ لم تكن هناك حركة علمية جديدة،

ولا منهاجية تفكير جديدة تطرح اسئلتها الجذرية على الواقع بشكل جدي، ولم تعدو الحركة الفكرية الناشطة نوعاً في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، على أهميتها، سوى حركة داخل النمط الفكري السائد والقائم على الحدس والتأويل للمنتجات الفكرية القديمة التي تستند إلى السلطة المعرفية للدين وعلم الكلام وليس الفلسفة أو العلم الحديث، ولذا فلم تكن هناك قدرة حقيقية لدى هذه الحركة على طرح خطاب حديث يتوفر له نوع من التجانس،

أو تشكيل كتلة تاريخية حديثة لها مكتسبات سياسية ورؤية ثقافية ونماذج تنظيمية وطرائق في الحياة تميزها وتمثل لها نوعاً من الاستمرارية المجتمعية، تدفعها للقتال من أجل الحفاظ عليها مثلما فعلت البرجوازية الأوروبية عبر التركيبة الرأسمالية بإلهاماتها في الدولة القومية واقتصاد السوق، أو حتى الطبقة الإصلاحية اليابانية في العصر الميجي،

إذ تأخرت في مصر عملية تشكيل هذه الكتلة فتعددت نماذج الحكم، وربما مشروعات النهوض التي آلت جميعها إلى الفشل لأنها استندت في النهاية إلى نموذج تقليدي في العلم« الصوري المنطقي » ونمط تقليدي في الإنتاج «الزراعي »، ومن ثم نظام اقتصادي ـ اجتماعي « رعوي »، وذلك بغض النظر عن تباينات فوقية في شكل النظام السياسي وخاصة بين :

تجربة محمد علي باشا: صاحب أول مشروعات النهوض في العصر الحديث والذي أخذ إلهامه الحقيقى من السلطنة العثمانية رغم نزوعه إلى تحديها، إذ قام بتوظيف المنتج التكنولوجي الغربي على أرضية مجتمعية رعوية، كما قصر عملية التحديث على الجيش الذى كان بمثابة حاملها الإجتماعي ـ التاريخي، ولذلك تراجعت التجربة التحديثية ثم أجهضت أمام الضغوط الأوروبية على الجيش المصري، ثم بوفاة محمد علي نفسه.

وبين نظام ثورة 1919 ودستور 1923 الوفدي ذي إلالهام الليبرالي، في الربع الثاني من القرن العشرين، والذي شهدت مصر في ظله حركة تنويرية جديرة بالاهتمام حاولت عبر رموزها الكبرى، التى راوحت بين اسماعيل مظهر وشبلي شميل وسلامة موسى، وبين العقاد ومحمد حسين هيكل مروراً بطه حسين وأحمد لطفي السيد، أن تطرح اسئلتها على الواقع بشكل جدي،

ولكنها واجهت مشكلتين أساسيتين : أولاهما هي استمرار افتقارها للمكون العلمي الحديث كقاعدة صارت هي الأهم في البنية التاريخية للمجتمع الحديث. وثانيهما حالة الضعف السياسي للبلاد التي جعلت الأفق السياسي لأسئلة التنوير هذه موقوفا على الإرادة الاستعمارية الضاغطة، ولذا اتخذت هذه الحركة طابعاً فوقيا على نحو لم يمكنها من المساس بالجسد الاجتماعي المصري عند القاعدة .

وبرغم هبوب عاصفة تحديثية عاتية مع «ثورة يوليو» تجسدت في المشروع الناصري.. وتمكنت من وأد كثير من سمات الثقافة الأبوية في الشخصية المصرية من خلال ركائز عدة كالجيش الوطني والجندية، والتعليم النظامي، وحركة التصنيع الشاملة على أرضية طبقة وسطى واسعة تكاد تحتوي معظم شرائح المجتمع رغم محدودية معارفها ومهاراتها نسبياً،

وتكوينها البيروقراطي غالبا، وكذلك على رؤية ثقافية حديثة تستلهم مقومات الخصوصية القومية وتسعى إلى تأكيدها في إطار نزوع إنساني وعالمي كانت له جاذبيته وفعاليته، وروح كفاحية تؤمن بالقدرة على التأثير في التاريخ وامكانية تعديل مساراته، فإن العلاقة الأبوية بين الدولة والمجتمع ظلت مستمرة نتيجة لعجز «المشروع الناصري» عن بلورة وفرز الاختلافات المجتمعية القائمة داخل كتلته الحديثة على أسس إيديولوجية وطبقية ومهنية لصالح تنافسية حزبية تقود إلى التعددية السياسية.

وكان متصوراً أن يشهد الربع الأخير من القرن العشرين تحول مصر إلى «الديمقراطية»، خاصة بعد ان استقرت الثورة في أحضان الدولة التى انقلبت على تحالفات مصر الخارجية، وبنيتها الاجتماعية فسلكت طريقي السلام مع اسرائيل والتحالف مع الولايات المتحدة، والانفتاح الاقتصادي الذي قاد إلى تفكيك قاعدة الحكم الناصري وأذكى الصراع الطبقي بما يفرضه من تعددية اجتماعية ومن ثم سياسية،

غير أن الذي حدث كان نوعا من « التلفيقية » المدفوعة برغبة عارمة في التوفيق بين نقائض، كانت قد بدأت تلف الثقافة المصرية منذ نهاية السبعينات حيث عادت المرجعية السلفية للظهور « فكرياً » بعد أن حاول النظام الساداتي توظيفها عملياً،.وكان ذلك التطور هو فاتحة زمن التلفيق والمواقف الاختزالية للنخبة المصرية وأنانيتها السياسية التي دفعتها لاختزال الحرية في الاقتصاد، والرأسمالية في الخصخصة، والإصلاح الاقتصادي في بيع القطاع العام، وفى المقابل قامت بتجميد ديناميكية السياسة حفاظاً على مواقعها .

وهنا تشكل الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بكل ما دار قبلها وخلالها وبعدها خروجا، على ميراث تاريخي سلبي، وعلى أنانية النخبة الحاكمة، وعلى اختزالية الصيغة التلفيقية التي سادت طويلا، باتجاه نوع من الخصام المطلوب طال انتظاره بين الشخصية المصرية، وبين الثقافة السياسية « الأبوية »، ونحو استعادة تدريجية لحيوية مصر في ثوب ديمقراطي جديد غير مسبوق.

كاتب مصري