لابد أن بعض مسؤولي إدارة الرئيس بوش وبطانته الحاكمة، باتوا يوقنون بصحة المثل القائل بأن «المصائب لا تأتي فرادى». نتائج إعصار كاترينا المروعة باغتت هذه الإدارة في لحظة قياسية من حيث عدم المواتاة والقدرة على استثارة الرأي العام ضدها. لحظة كانت واشنطن تجتهد ما وسعها الجهد في مداراة سوءات سياسية خارجية تكاد تنحدر إلى درك كارثي في العراق، فإذا بها بصدد كارثة منظورة على الصعيد الداخلي.
وهكذا تراوح إدارة الجمهوريين بمحافظيها القدامى والجدد بين جمهور غاضب في سواده الأعظم، إما بسبب تخطيط أهوج لحروب خارجية تزداد خسائرها وتبدو عوراتها يوما تلو الأخر.. وإما بسبب العجز الفادح في التعامل مع حدث طارئ في الداخل. رب مجادل هنا بأن ثمة ما يبرر الحديث والسخرية من حروب الخارج، باعتبارها من صنع البشر برؤاهم وأهوائهم ومصالحهم ودوافعهم المضمرة والمعلنة، وهذا لا يصدق بالنسبة لحرب شنتها الطبيعة وساقها القدر .
غير ان محاججة كهذه لا تكفي بنظر كثيرين، لا سيما من الأميركيين، لرفع العتب عن أهل الحكم والسياسة في واشنطن. إذ يقال بهذا الصدد إن لإعصار كاترينا اسم معروف ووقت معلوم وإرهاصات ونذر تنفي عنه صفة الغدر وأخذ الناس على حين غرة. الأمر والحال كذلك ان إدارة بوش لا تلام على عدم توقع كاترينا، لأنه كان متوقعا لدى اصغر مرصد مختص في الولايات المتحدة،
وإنما تدان لتقصيرها في إجراءات الحيطة والاستعداد لأسوأ نتائج لهذا الإعصار الموسمي قبل وقوعها. ثم إنها مدانة أكثر لتثاقلها وإخفاقها في الاستجابة لهذه النتائج لاحقاً. ويقيناً فإنها ستظل مدانة أكثر وأكثر بسبب التمييز العنصري على خلفية اللون والأصل العرقي، الذي تجلى في سلوكها إزاء المتضررين من الإعصار والذين صادف أن كان معظمهم من السود الفقراء.
وبالمناسبة، قد لا تكون إدارة بوش قصدت عدم الاكتراث العاجل بضحايا كاترينا انطلاقاً من نيات تمييزية تستبطنها ضد الأميركيين السود. وقد يكون عجزها في الإغاثة ناشئاً عن عوامل موضوعية لا صلة لها بقضية التمييز. لكن إقناع المجتمع الأميركي الأسود (أي عشر مواطني الولايات المتحدة) بذلك لن يكون ميسوراً لأجل طويل. ففي المحصلة نكأ الإعصار وأسلوب التعامل الحكومي الفيدرالي مع تداعياته جراحاً قديمة في وجدان الأفارقة الأميركية.. جراحاً ظن كثيرون إنها التئمت.
هذا ما يفهم من تعقيبات كبرائهم ومنها مثلاً ما ذكره جيسي جاكسون «®.هناك عدم مبالاة تاريخي لآلام الفقراء والسود، يبدو إننا نعتاد سريعاً على معاناة السود..». سوف تضطر إدارات أميركية كثيرة لاحقة، فضلا عن إدارة بوش، إلى إعادة فتح ملف الاعتذارات للسود وترميم الصدوع الاجتماعية والسياسية والنفسية التي خلفها كاترينا.
وهو ما سيستهلك جهداً ووقتاً وربما أموالاً طائلة. ومن سوء حظ إدارة بوش بالتحديد إن الجدل بشأن تعاملها مع كاترينا جاء متزامناً ومتعامداً مع الجدل بشأن خطيئة غزو العراق واحتلاله، وان نمطي هذا الجدل من حيث الجوهر يتصلان وثيقاً بسياسة هذه الإدارة بعد 11 سبتمبر.
فالمستنقع العراقي يثير الأقاويل حول فشل أو عدم نجاعة هذه السياسة لجهة ما يسمى بالحرب على الإرهاب. وخيبة التعامل مع كاترينا يذكر بسوء التخطيط الداخلي الإداري الذي استتبع 11 سبتمبر، وقيل انه سوف يعزز طاقة البلاد في مواجهة الإرهاب. نطرح ذلك وفي الخاطر ان بعض منتقدي رد فعل الإدارة على كاترينا يذهبون إلى ان «وكالة الطوارئ الفيدرالية فقدت فعاليتها منذ أن أصبحت جزءاً من وزارة الأمن الداخلي في غمرة عملية إعادة التنظيم بعد 11 سبتمبر ..» تأسيساً على ذلك ،
فان كاترينا وتوابعه أضاف جديدا إلى التناظر الأميركي حول صحة مسار سياسات المحافظين الجدد وعلى رأسهم الرئيس نفسه، على الصعيدين الخارجي والداخلي. وقد يكون من الحكمة متابعة فحوى هذا التناظر ودلالاته بالنسبة لسياسة واشنطن العربية بعامة والعراقية بخاصة.
ولنا ان نلحظ في السياق كيف غلبت الإدارة الأميركية أهواءها وتفضيلاتها السياسية الداخلية والخارجية حتى وهي تعالج كارثة طبيعية. داخلياً، بدا ذلك واضحاً بنظر البعض من رد فعلها البطيء لحدث أصاب الفقراء والسود بأكثر مما أصاب الأغنياء والبيض. أما على المستوى الخارجي ، فلا يمكن تفسير التعامل الانتقائي مع الأيدي الدولية الممدودة للمساعدة الا بالاعتبارات السياسية.
لقد رفضت هذه الإدارة عرض الرئيس الكوبي فيديل كاسترو بإرسال 1100 طبيب و 5,26 طناً من الأدوية، فيما أعلن السفير الأميركي في كابول عن بالغ تأثره العاطفي وهو يقبل المائة ألف دولار المقدمة من أفغانستان!.. هنا نتلقى درساً في علاقة الإغاثة بالسياسة.
لكن الدرس الآخر في المقام ذاته عربي بامتياز . فقطر قدمت عرضاً بمئة مليون دولار، ولم يتفوق على هذا السخاء الإغاثي سوى الكويت التي وعدت بخمسة أمثال العرض القطري. والظاهر ان الرائحة السياسية للهبة الكويتية كانت نفاذة أكثر من اللازم، وذلك إلى درجة أثارت حفيظة بعض النواب الكويتيين، الذين رأوا أن بلادهم ليست بحاجة إلى مزيد من الأدلة المكلفة على حسن علاقتها بالولايات المتحدة..».
إدارة المحافظين الجدد تقع راهناً، ربما لأجل ممتد، بين مطارق سياسية من صنع أطماعها البشرية وسنادين من تصاريف القدر ذات توابع سياسية أيضاً. وقد لا تنجو أفكار هؤلاء القوم وسياساتهم ومواقفهم من نتاج هذه الحالة.. ونحن نأمل وندعو أن يكون هذا النتاج حافزاً على عقلانيتهم واتعاظهم بحدود القوة.
كاتب فلسطيني