ألم تكن مصر في يوم من الأيام.. ومازالت ولو بدرجة أقل.. بوابة العالم العربي؟ وبالتالي، لا دخول ولا خروج من العالم العربي إلا من خلال تلك البوابة التاريخية المقامة منذ عهد الفراعنة؟فلا ينكر أحد بأن مصر قد صدرت للعالم العربي من المحيط للخليج الشعور بالقومية، والاستقلال والتحرر، والثورة، ومصر على أرضها بنيت الجامعة العربية بهدف توحيد الدويلات العربية التي مزقها الاستعمار لتصبح قوة تحدٍّ وتحرر.. ولو أن هذا الحلم لم يتحقق بعد.

في حقيقة الأمر، لا توجد دولة عربية واحدة لا تشعر بالامتنان نحو نهر النيل العظيم.. ولا توجد دولة عربية واحدة وقفت في وجه إسرائيل وقدمت أبناءها الواحد تلو الآخر وكسرت ظهر اقتصادها وضحت بأرضها التي كادت أن تخسرها دفاعا عن شعب فلسطين وأرض فلسطين كما فعلت مصر ومعها سوريا في يوم من الأيام... وهذا ما أهلها لفترة طويلة لأن تصبح قائدة الشعوب العربية برمتها.. إلى أن مات عبد الناصر.

ولذا لا يحدث في مصر حادث إلا وحدث مثله في الدول العربية الأخرى حتى ولو طال به الزمن.ورغم الأوقات الصعبة التي مرت بها الشعوب العربية في علاقتها مع جمهورية مصر العربية، خاصة بعد اتفاقية كامب ديفيد وزيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى دولة الكيان، و الشعور لدى الشعوب العربية كافة بالإحباط والغضب الذي أعقب تلك المبادرة (الجريئة) ،

خاصة وأنها تمت دون موافقة (الشعور) العربي، إلا أنه كان غضبا سرعان ما تلاشى، خاصة عندما شعر الإنسان العربي بالعزلة من خلال عزلة مصر وبأن سيفه سقط من يده وهو في وسط المعركة وبأن خسارته ستكون أكبر بدون مصر. لقد علمتنا مصر كتابة الحروف العربية، وعلمتنا كيف نرفع راية العروبة، وكيف ندافع عنها.

واليوم مصر وبعد أكثر من خمسين عاما منذ الإطاحة بنظام الملكية تعود لكي تمر في مرحلة لا تقل خطورة و خوفا. إنه المرور إلى الإنسان المصري لإمكانية الوصول إلى الإنسان العربي. الخطورة تكمن في الخوف من اكتشاف أن الضجة الإعلامية و الشعبية التي صاحبت انتخابات الرئاسة لم تكن أكثر من فرقعة سريعة وأن الحال ظل كما هو. وأن هناك رئيسا لا بد أن يتم انتخابه بنسبة 99,99% وهو رقم تحول مع مرور الوقت إلى نادرة يتندر بها الظرفاء في كل مكان من العالم.

وبالتالي فإن الحلم الذي عاش المصري أكثر من عمره في انتظار أن يتحقق يوما ما لم يعد أكثر من حلم طويل مستمر.والخوف يأتي من خطورة المرحلة والخطوة التي يخطوها هذا الشعب، إذا اكتشف في اليوم التالي بأن الأمر أكثر من مجرد حقيقة واقعة وأن الإنسان المصري لم يعد في حاجة إلى وصي عليه يرعى شؤونه مدى إلى أن يتوفاه الله، وأنه من حقه اختيار من يحكمه و يسير أموره.

لقد أدمن العرب جميعا على نفسية وصاية الحاكم. وإذا ما شعر هذا الإنسان العربي الذي كان لعقود وعقود طويلة متهما بأنه مازال قاصرا وأنه بالنتيجة غير مؤهل لكي يقرر مصيره بنفسه، إذا ما شعر بين ليلة وضحاها بأنه ذاهب على قدميه إلى مراكز الاقتراع، فقد يصيبه ذلك بنوع من الهستيريا التي قد يصعب علاجها.

وهذا لا يعني الإنقاص من قيمته أو التقليل من قدره، ولكن الانتقال المفاجئ من الغرفة المظلمة إلى ضوء الشمس يسبب وبشكل طبيعي نوعا من انقلاب الرؤية فتعود تصبح الأشياء سوداء داكنة بعدما كانت قبل قليل واضحة جدا في ظلام الغرفة!إننا جميعا دهشنا ونحن نتابع أخبار الانتخابات المصرية... ودهشنا أكثر ونحن نرى الرئيس مبارك يذهب إلى صعيد مصر و يتناول فنجانا من الشاي مع أسرة فقيرة لكي يضمن صوتها...

ونحن لم نتعود أن نرى مثل تلك اللمسات الانتخابية إلا لدى الشعوب الغربية التي تدعي أنها متحضرة أكثر منا. قد لا تكون الانتخابات المصرية الحالية بريئة مئة بالمئة ولا نزيهة مئة بالمئة ولا هي من تلك النوعية المتقدمة من الانتخابات التي وصلت إليها بلدان كفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة مثلا، ولكن الخطوة التي يخطوها الشعب المصري اليوم لا يمكن التراجع عنها بعد ذلك.. لقد أصبح الأمر خارج نطاق لعبة المراهنات.. وأصبح القرار في يد الفلاح والعامل في المصنع بل والإنسان العادي جدا...

فهم الذين يمثلون أكثر من 95 % من الشعب المصري : لقد نزلت السياسة إلى الشارع أخيرا. تماما كما فعل جان بول سارتر حينما أنزل الفلسفة التي كانت مقتصرة على فئة من المثقفين لتصبح في متناول الجميع.. واليوم أصبحت السياسة في مصر من حق الجميع وبصوت عالٍ وغير مقتصرة على زعيم متفرد.

كلنا يعلم مسبقا من سيفوز من بين المرشحين العشرة وهذا أمر غير مهم على الإطلاق، لكن المسألة الأهم هي علامات الاستفهام التي تفرض نفسها إن كنا نحن حقا متجهين هذه الأيام في طريق كنا نراه منذ زمن بعيد من على بعد مسافة بعيدة ولم نكن نجرؤ الذهاب إليه؟

وكما قلنا في البداية، من إن مصر تصدر لنا أفكارها، فلن نفاجأ أن تتنقل حمى الانتخاب السري المباشر إلى الدول المجاورة. وكما كنا لا نتصور أن يحدث مثل ذلك، فهل نتصور أن نجد أنفسنا في يوم ما نعيش على مساحة جمهوريات عربية عدة تنتخب بالاقتراع السري المباشر رئيسا للجمهوريات العربية المتحدة؟!

dralaboodi@gmail.com

جامعة الإمارات