أصبح الغلاء هو الشغل الشاغل للناس، وصاروا يواجهونه بكثير من الاستياء وبقليل من السخرية، كذلك القارئ الذي أرسل متهكماً على الغلاء بتوجيهات ونصائح للمواطنين والمقيمين يحثهم على ركوب الدراجات بدلاً من السيارات، مثلاً، أسوة بما حدث في أوروبا بداية من السبعينات من القرن العشرين، يوم انقطعت إمدادات البترول الخليجي عن أسواق أوروبا.
وبالتأكيد فإن الناس لن تركب الدراجات عندنا هنا في الإمارات، أولاً لأن ثقافة المظهر والاعتبارات الاجتماعية تمنع الناس من ردات فعل مماثلة لما يحدث في أوروبا، وثانياً لأن كبار المسؤولين عندنا لا ينفقون درهماً واحداً على بترول سياراتهم، فبترولهم مدفوع مقدماً، كامتياز وظيفي يتمتعون به،
وثالثاً فإن الأمر لا يقتصر على كبار المسؤولين فقط، فحتى أصغر موظف لن يركب دراجة هوائية أو نارية في طقس درجة الحرارة فيه مازالت تراوح حول الأربعين. ثم قبل كل هذا وذاك، فإن الناس لا يزالون قادرين على دفع ثمن البنزين، على الرغم من غلائه.
لكننا، على الرغم من ذلك، نعود لنؤكد أن الغلاء لم يعد أمراً محتملاً، لم يعد بالإمكان تمريره بالنكات والسخريات وببعض الكتابات الصحافية الساخطة أو الساخرة، وعلى الرغم من قوانين السوق واعتبارات العولمة وحكاية تحرير الأسعار، فإن تركنا كمواطنين ومقيمين نواجه وحش السوق بلا دعم أو موقف حكومي من أي نوع،
أمر من الصعب فهمه، أو تفهمه، ليس لأننا اعتدنا على الشكوى أو لأننا شعب مدلل ـ كما يقال ـ ولكن لأن الغلاء صار أكبر من الاستيعاب وأكبر من المبررات التي تساق لنا كل يوم ترتفع فيه أسعار سلعة أو منتج أو خدمة ما!لا يمر علينا أسبوع من دون أن نواجه بشكل علني بعملية رفع الأسعار التي غالباً ما تبدأ بإشاعة وبأخبار متضاربة في الصحف، ثم تنتهي بشكل مؤكد بمانشيت في الصفحة الأولى،
ثم يترك الناس يضربون أخماساً بأسداس، يتساءلون ويتأففون و... ثم يتحول الأمر إلى واقع.. إلى أن تحين زيادة أخرى وهكذا..ارتفعت أسعار مواد البناء، الأسمنت، الحديد، أسعار الألبان، الغاز، الأدوية، الرسوم المدرسية في المدارس الخاصة، الأسماك، الـ ...، الـ .... ثم أخيراً البنزين.
وليس صحيحاً ما يقال من أن السبب هو زيادة الرواتب، فهذه حجة واهية جداً، ذلك أن الأسعار ترتفع لأن هناك من يسمح برفعها، أو من يتغاضى عنه، أو من يستسلم لهذا الارتفاع، ليس هناك موقف حازم، ليست هناك وقفة مراجعة لما قد يتسبب فيه هذا الارتفاع من أضرار على المستوى المعيشي للناس، على الاقتصاد الوطني وعلى أمور أخرى كثيرة! الكل يتلقى أخبار الزيادة ويتبرع بتعليق أو تعليقين، أو يصمت باعتبار أن السكوت من ذهب، ثم ماذا؟ الكل خاسر في النهاية حتى الذين يرفعون الأسعار!
sultan@dmi.gov.ae