تجبرنا، أو ربما تجبر بعضنا، الكارثة التي حلت على السواحل الجنوبية من الولايات المتحدة على إعادة النظر في الكثير من أمور ومفاهيم حياتنا المعاصرة. فمن خلال ما حدث، ومن خلال قراءة التفاصيل التي حملتها إلينا المعلومات الواردة عن تلك المناطق المنكوبة، نكتشف أن ما حدث لتلك السواحل، وبخاصة لمنطقة نيو أورليانز التي تتمتع بسمات خاصة في جسد التركيبة الأميركية.
أن الأمر يتجاوز مفهوم الكوارث الطبيعية والكيفية التي تتم مواجهتها بها من قبل الإدارة الأميركية، إلى أمور تتعلق ببعض القضايا الجوهرية المرتبطة بكيان تلك التشكيلات المجتمعية، إنها تكشف لنا عن الركائز التي تقوم عليها المجتمعات وكيف تتعامل تلك الركائز مع مفهوم الإنسان. فالذي حدث في تلك المناطق ليس فقط أنها تعرضت لإعصار مدمر وقوي أزهق الكثير من أرواح البشر وشرد آخرين، كما هدم منازلهم وأماكن أعمالهم،
لكن الذي حدث هو ما كشف عنه ذلك الإعصار من خلل كبير في نظام الإدارة في أكبر دولة تقدم نفسها للعالم على أنها المدافعة الأولى عن حقوق الإنسان، ولا تتوانى تحت رفع هذا الشعار من التدخل في شؤون معظم، إن لم نقل كل بلدانه. لقد كشف لنا هذا الإعصار، أو كشف للذين يصدقون مثل هذه الشعارات، ما تتمتع به تلك الإدارة، أو بعض المنظومات الليبرالية، أو الديمقراطيات الكبرى، والتي تضع بين برامجها الدعائية شعار حقوق الإنسان كأحد أهم أولوياتها، أن الأمر في الواقع لا يعني أكثر من شعارات،
أما على أرض الواقع فإن للبشر حقوقاً غير متساوية. كشفت لنا تلك الكوارث أيضا أن التاريخ الطويل من النضال الذي خاضته القوى المناهضة للعنصرية في ذلك البلد، أي الولايات المتحدة، والمعاناة غير العادية التي قاستها تلك القوى في نضالها، علاوة على الأثمان الباهظة التي دفعتها من أرواحها ومن حرياتها، لم توصلها بعد إلى الأهداف التي سعت و تسعى من أجل تحقيقها، والتي من أبسطها احترام حق الإنسان في العيش الكريم.
إذ ناضلت تلك القوى على أن يحصل الإنسان ليس فقط على حقوقه السياسية، والتي تدعي صيغة الخطاب الديمقراطي الليبرالي بأنها تؤمنها وتحافظ عليها، ولكن من أجل الحصول على حقوقه الأساسية، كحقه في الحياة الكريمة، والذي يعني أن يتوفر للإنسان ما يحافظ على كرامته ويمنحه الشعور بالأمان. لكن على ما يبدو مازال أمام تلك القوى طريق آخر طويل عليها أن تواصل السير فيه حتى تحصل على أبسط مطالبها، وهو المطلب المرتبط في الولايات المتحدة بأهم بند في دستورها،
وهو المتعلق بالمساواة بين مواطنيها. إذ أن الجثث الكثيرة التي طفحت بها الشوارع في مدن الجنوب، وبخاصة في نيو أورليانز، وهي من المناطق التي تحتضن أكثر فقراء أميركا، لا بد أنها قد أدركت في لحظاتها الأخيرة أن الفقراء يقعون دوما في آخر اللائحة عندما يتعلق الأمر بحياتهم وبتحقيق مطالبهم وبمساواتهم بباقي السكان.
لا أعتقد اليوم أن الكثيرين يؤمنون بما تدعيه الإدارة الأميركية الحالية، وإدارات أخرى غيرها عبر تاريخهم الطويل، من أن هدفهم الأساس في هذه الحياة هو الدفاع عن مصالح المواطن الأميركي وأمنه، ناهيكم عن مصالح وأمن شعوب أخرى. إذ أن ما تتكشف عنه الحوادث يجبر البشر على إعادة النظر في مفهوم الإنسان وفي البحث عن تصنيفه. إذ الإنسان، كما يتجلى وضعه في الكوارث والملمات، ليس شخصاً واحداً وليس ذا سمة واحدة.
الإنسان في تصنيف تلك الإدارات متعدد الهوية، والإنسان الذي يتم الدفاع عنه وعن مصالحه هو صاحب المليارات والمصالح الكبرى، والذي يرتبط مع الحكومة بعقود شراكة في السلطة وفي المكاسب. أما المواطن الفقير، والذي تتشدق الديمقراطيات الكبرى بأنها تدافع عن حقه، فلا يشكل أكثر من رقم مستهدف في قوائم الانتخابات.
لقد جعلتني الحوادث الأخيرة أستعيد مواقف بعض من يصنفون أنفسهم ضمن خانة المثقفين في بلداننا العربية حين فرحوا واستبشروا كثيرا في يوم من الأيام بسبب التواجد الأميركي المكثف في منطقة الخليج، واعتبروا ذلك التواجد خطوة أولى نحو الضغط على حكومات المنطقة من اجل منحهم مزيداً من الامتيازات (ولا أقول الحقوق لأسباب يعرفها الكثيرون منا)، كما اعتقدوا أن الولايات المتحدة معنية بمنحهم مزيداً من الحريات العامة والشخصية.
رغم أن كثيراً من الوقائع، ليس فقط الجديدة، ولكن الوقائع الكثيرة التي يزخر بها تاريخ ذلك البلد، لا تكشف في واقع الأمر عن موقف سياسي أخلاقي مبدئي ومحايد فيما يتعلق بحقوق الإنسان الحقيقية، بل تكشف عما هو عكس ذلك. فلو كانت هناك عناية حقيقية بحقوق الإنسان لحصل عليها، على سبيل المثال، السكان الأصليون في تلك الدولة، والذين لا يشتكون فقط من ظروف التهميش،
وإنما من المعاناة اليومية الحقيقية التي يجدون أنفسهم يواجهونها وهم محاصرون ضمن مناطق محددة خصصت لإقامتهم ويطلق عليها مسمى «المحميات». تلك المحميات التي يتسم الكثير منها بملامح البؤس والفقر وقلة الخدمات المخصصة فيها من قبل الحكومة الفيدرالية. إن معرفة حقيقية بالتدهور الصريح في نسبة تلك السكان تعطينا مؤشرا واضحا على أن العناية بالشعب الأميركي لم تشمل أولئك السكان الأصليين إلا ضمن خانة غير المرغوب فيهم.
فكما تقول بعض الإحصاءات، ان تلك النسبة قد تدهورت من اثنا عشر مليونا تقريبا في وقت غزو أولئك البشر من قبل الأوروبيين، لتصبح في حدود الأقل من الثلاثة ملايين في الوقت الحاضر. ثم تأتي وقائع الأحداث في نيو أورليانز والمناطق الجنوبية الأخرى لتعطينا علامة واضحة أخرى لتلك السياسة، والتي يتضح فيها بشكل جلي أن المواطن الأميركي تتم معاملته بمعايير مختلفة، استنادا على المصالح الاقتصادية والسياسية لدولته، لا على ما يعنيه كإنسان.
جامعة الإمارات