هل خطرت على بال أحدكم فكرة أن يغيِّر حياة إنسان؟ أن ينتشله من الضياع مثلاً من دون أن تكون هناك صلة ما تربطه به، أن ينقله من مجرى حياة محكومة بالعبثية واللاجدوى، أو بالكثير من الاضطرابات والفشل، إلى مجرى آخر يشقه متألقاً بالسعادة والنجاح والاستقرار بعد أن يكون قد وفّر له ما يعينه على ذلك، بتربية صالحة، وتعليم جيد، وتوجيه وحنان وكثير من الاحتضان الرحيم؟
كنت منذ فترة أتحدث إلى إحدى السيدات، كانت تحكي عن صديقتها، واستمرت في حديثها، آخذة في سرد وقائع الحكاية، وبحماس ظاهر، كانت تحاول جهدها أن توصل إحساسها المتعاظم بالمأساة التي تعانيها صاحبة الحكاية، في الحقيقة لم تكن مأساة، كانت إشكالية إجرائية أو قانونية، لم تتخذ السلطات الرسمية قراراً عاماً بشأنها، لأسباب تراها السلطات وجيهة، ولا نملك أن نكثر الحديث حول المسألة أكثر مما فعلنا سابقاً.
هي تعتقد ـ وربما كان لديها حق في ذلك ـ أن صديقتها ستُظلم كثيراً إذا لم يُمنح ابنها من زوجها غير المواطن جنسية الإمارات، كبقية إخوته من زوجها الأول المواطن، خاصة انه وُلد وتعلَّم وعاش وسيظل منتمياً لهذه الدولة طيلة حياته.إنها إشكالية ربما ستجد لها حلاً في الأيام المقبلة، فلا شيء ثابت أو أنه يبقى على حاله إلى الأبد.. لا داعي لتحويل الأمور إلى مآسٍ.. هكذا علّقت على حديثها.
وظل الحديث بيننا مسترسلاً، فقد كانت السيدة من اللطف بحيث أنني أحببت حديثها، إلى أن تنبّهت إلى عبارة جاءت وسط حديثها من دون أن تتوقف عندها، حين قالت: «عندي أربعة أطفال، لكنني في السنوات الأخيرة احتضنت طفلاً من أحد المستشفيات وقمت بتربيته مع أبنائي كواحد منهم».. سألتها بشكل تلقائي: «لديك أربعة أبناء ـ يحفظهم الله لك ـ فلماذا قمت بتبنِّي ولد آخر؟» أجابت ببساطة جميلة: «حلمت دائماً أن أغيِّر حياة إنسان، فكان تبنِّي هذا الولد تحقيقاً لذلك الحلم أو لتلك الفكرة».
طفل مجهول الأبوين، مجهول الهوية، بلا ملامح، بلا ماضٍ ولا مستقبل، قد يقضي حياته في ملجأ أو في دار رعاية تابعة لمستشفى حكومي أو مركز خيري، ربما تتقاذفه الحياة يميناً ويساراً، ربما ينتهي مشرّداً أو سجيناً، وربما يصبح ذا شأن، كل ذلك محكوم بإرادة القدر وظروف الحياة ومفاجآت الصدف.. فإذا تدخل إنسان بإرادته ووعيه حاملاً فكرة أن يكون يد القدر في إنقاذ هذا الطفل بنيّة تغيير خط حياته نحو الأفضل.. فإن الفكرة تبدو جديرة بالتأمُّل والوقوف عندها.
لا يبدو في أيامنا هذه، والناس تلهث خلف ماديات الحياة، من يفكِّر في أن يشتغل بهموم غيره، أو أن يحمِّل نفسه عبء حياة إنسان يعمل ليكون في وضع أفضل، خاصة أن هذا الإنسان لا تربطه به أية رابطة.. هنا يبدو تجلِّي الخير في بشرية الإنسان حين يرتقي من بشر إلى إنسان، حين يحب للمحبة، ولأجل الآخر، لا يشبع غريزة عنده أو يعوِّض حرماناً فيه.. نحن بحاجة لأن نتوقف عند هذه المعاني.
sultan@dmi.gov.ae