أحدث إعصار كاترينا، وهو إعصار استوائي عنيف، أكبر الأضرار على السواحل الجنوبية الشرقية في الولايات المتحدة، وقد شملت أضراره اثنتي عشرة ولاية، وكان الضرر الأكبر من نصيب مدينة نيو أورليانز، كبرى مدن ولاية لويزيانا. ففي الفترة الواقعة، بين الثالث والعشرين من أغسطس والحادي والثلاثين منه، أصبح 90000 كيلومتر مربع، من أراضي الولايات المتحدة.
أي ما يزيد على مساحة دولة الإمارات العربية المتحدة، منطقة كوارث، بسبب هذا الإعصار، الذي تميز برياح بلغت سرعتها 280 كيلومتراً في الساعة، وأمطار في منتهى الغزارة.والخسائر المادية المتوقعة، قد تصل إلى مئة مليار دولار، في أقل تقدير، مما يجعل هذه الكارثة أكثر الكوارث الطبيعية كلفة في التاريخ.
وقد أفادت محطة سي أن أن، في الثاني من سبتمبر، بأن الخسائر في نيو أورليانز وحدها، قد تتجاوز المئة مليار دولار. ويعتبر إعصار كاترينا، أكبر إعصار مدمر، ضرب الولايات المتحدة، منذ إعصار غالفستون عام 1900، والذي أدى إلى قتل ما يزيد على 8000 شخص.
لقد أدى انهيار الحواجز الواقية من الفيضانات والأعاصير، في نيو أورليانز، إلى تسرب المياه لتغمر ما يزيد على المئتي ألف منزل، وتجعل ساكينيها مشردين في أماكن شتى، أصبح الكثير منهم، معزولين تماماً عن العالم، دون توافر الحد الأدنى من القدرة على البقاء على قيد الحياة.
فوفق المعلومات الواردة من منطقة الإعصار، هنالك آلاف القتلى، وهنالك أكثر من عشرين ألف مفقود، وهنالك خمسة ملايين شخص على سواحل خليج المكسيك ضمن المنطقة التي ضربها الإعصار، قطعت عنهم الطاقة الكهربائية، وربما يمضي شهران أو أكثر قبل أن تعاد إلى سابق عهدها.
شهد القرن العشرون تغيرات كبيرة في طبيعة الأعاصير، من سنة إلى أخرى، ومن عقد إلى آخر، سواء في شدتها أو في تكراريتها. فوفق الدراسات المناخية، هنالك أدلة على الزيادة في شدتها، وعلى زيادة كمية الأمطار المصاحبة لها. لقد درس علماء المناخ، البيانات المناخية، على مدى نصف القرن الماضي، فوجدوا أن هنالك علاقة بين الاحتباس الحراري، ودرجة شدة الأعاصير.
وتشير الدراسات التي أجريت في معهد ماساتشوتس التكنولوجي، وهو أحد أبرز معاهد التعليم العالي في الولايات المتحدة، بأن تكرارية وشدة الأعاصير قد تضاعفت على مدى الثلاثين سنة الماضية، وهذه الزيادة تتماشى مع الارتفاع في درجة حرارة سطح الماء في المحيطات.
تعرضت الإدارة الأميركية إلى أشد الانتقادات، من قبل المتضررين من الإعصار، ومن قبل وسائل الإعلام، على طريقة إدارتها للأزمة، وعلى أدائها الضعيف والبطيء. ويتزايد النقد لحكومة ولاية لويزيانا وللحكومة الاتحادية في وسائل الإعلام، مع نشر المزيد من التقارير التي تشير إلى أعداد الضحايا، وتقديم الصور عن الحالة المزرية، لسكان المناطق التي ضربها الإعصار، وعن المعاناة بسبب الجوع وبسبب عدم وصول المساعدات، وبسبب عدم تجهيز المستشفيات بما يكفي لمواجهة هذه الكارثة.
ومما يلفت النظر، هو الفوضى التي عمت ولاية لويزيانا، فبعد مرور ثلاث أيام على الإعصار، لوحظ غياب رجال الحرس الوطني، وعدم وجود من يسهم في عمليات الإنقاذ. وقد بررت الجهات الرسمية ذلك، بالقول بأن هنالك نقصاً في عدد أفراد الحرس الوطني في ثلاثة ولايات هي: المسيسيبي والبهاما ولويزيانا، وذلك لأن أفرادها، يقومون بمهام ضمن القوات الأميركية في العراق، علماً بأن عدد أفراد الحرس الوطني، الذين سحبوا من الولاية الأكثر تضرراً من الإعصار، بلغ 3000 فرد.
تشترك القوات المسلحة عادة، في جميع بلاد العالم، في ظروف طارئة كهذه، في عمليات الإنقاذ والحفاظ على الأمن. إلا أن ما تشهده الولايات المتحدة حالياً، هو غير ذلك، فقسم كبير من الجيش الأميركي، ليس في الولايات المتحدة، وإنما في مناطق أخرى من العالم، يخوض حروباً في العراق وفي أفغانستان، وليس هذا فحسب، فقد سحبت وحدات من الحرس الوطني وأرسلت إلى العراق لعدم كفاية الجيش.
ورغم ضخامة الكارثة، و سيادة الفوضى، في ولاية لويزيانا، التي تجلت في النهب والسلب والقتل والاغتصاب، إلا أنه لم تعلن الأحكام العرفية فيها، وذلك لأن قانون الولاية لا يسمح بذلك. وإنما فرضت حالة الطواريء فقط، وهي لا تمنح حاكم الولاية ما يكفي من الأدوات والآليات للسيطرة التامة على الوضع. ورغم ذلك فقد أعطى الحاكم (ري نيغن) أوامره للشرطة، بعدم الاهتمام بقواعد حقوق الإنسان، والقوانين والأعراف المدنية الأخرى، لإيقاف عمليات النهب.
لقد تعرضت حكومة الولاية لنقد لاذع، بسبب عدم الكفاءة في تطبيق القرار الذي يتعلق بإخلاء المدينة، في الثامن والعشرين من أغسطس، فهي لم تتخذ استعدادات مسبقة لإجلاء من لا مأوى له ومن لا يمتلك وسيلة نقل والفقير و الضعيف و العاجز والمسن، إذ أن 27 % من سكان مدينة نيو أورليانز لا يمتلكون وسيلة مواصلات. فأغنياؤها البيض، قد تركوا المدينة قبل أيام من الكارثة، تاركين الأكثرية السوداء، إلى رعاية حكومة الولاية التي لم تقدم إلا القليل.
لقد بدأت تساؤلات كثيرة تطرح حول الميزانية المخصصة للحماية من الأعاصير والفيضانات، فقد صرح أحد الذين عملوا في إدارة الرئيس السابق كلينتون، في الأول من سبتمبر، من محطة بي بي سي البريطانية، بأن إدارة الرئيس بوش، قد حولت عشرات الملايين من الدولارات من الميزانية الخاصة بالحماية من مخاطر الفياضانات والأعاصير، إلى ميزانية الوحدات العسكرية العاملة في العراق.
فالحواجز التي سقطت في مدينة نيو أورليانز، كانت مصصمة لمقاومة إعصار من الدرجة الثالثة، وهو الأكثر احتمالاً للحدوث، في حين إن إعصار كاترينا هو إعصار من الدرجة الرابعة. من المتوقع أن يكون لهذه الكارثة نتائج سياسية هامة، فقد كشفت عن مدى هشاشة أكبر دولة في العالم، أمام قوى الطبيعة التي أسهمت الولايات المتحدة نفسها، في منحها قدرات إضافية على التدمير، من خلال التغاضي عما يسببه الاحتباس الحراري، فهي أبرز صانعيه.
فقد أبانت الكارثة بوضوح، جوانب الضعف في المؤسسة الأميركية الحاكمة، فبقدر ما كشفت من خلل في الاستعدادات، كشفت كذلك عن ضعف في القدرات القيادية، خاصة في التعامل مع تداعيات الكارثة في مدينة نيو أورليانز التي يسكنها الكثير من الأفارقة الأميركان، مما عزز شكوكاً لدى هؤلاء، حول الأسباب الحقيقية وراء التلكؤ في تقديم المساعدات وضعف عمليات الإنقاذ.
وقد كشفت هذه الكارثة أيضاً، أن الدولة الأعظم، هي الأخرى، لها موارد محدودة، مادية أو بشرية. فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها، ولأول مرة في تأريخها، بحاجة إلى مساعدة الدول الأخرى. قد يجد المواطن الأميركي، بعد أن يطلع على حجم الخراب الذي ألحقه الإعصار، ويستعرض في ذهنه مدى ضعف الأداء الحكومي،
ويتذكر كم كانت عمليات الإنقاذ وتقديم المساعدات معاقة بسبب عدم وجود ما يكفي من أفراد الحرس الوطني والجيش. قد يجد بأن الحروب الأميركية في الخارج لا تبدد الأموال الأميركية فقط، ولا تؤدي إلى سقوط الضحايا فقط، وإنما تضعف مناعة الولايات المتحدة نفسها، أمام غضب الطبيعة.
إذ أن استراتيجية الهيمنة على الساحة الدولية، نهج خطير، فهي تضعف البناء المدني الداخلي، في الوقت الذي تبقى غير مضمونة النتائج. وقد يجد المواطن الأميركي أيضاً، صعوبة في فهم كيف أن حكومته، التي تصرف ما يزيد على خمسة مليارات من الدولارات على حربها في العراق شهرياً، تخصص مبلغاً قدره عشرة مليارات دولار فقط، لمعالجة تداعيات هذه الكارثة.
كاتب عراقي