ضرب الإعصار كاترينا سواحلنا مجسداً غضب الطبيعة، لكن المعاناة في أعقاب الإعصار يجب أن تطلق شرارة غضب أميركا. وخلّفت الطبيعة دماراً فظيعاً، لكن المعاناة والخسائر البشرية تضاعفتا نتيجة لإخفاق عديم الضمير من جانب إدارة هذا البلد.كنت في نيواورليانز ليلة الخميس مع سيناتور الولاية كليوفيلدز، الذي كان يقوم بتسيير حافلات خاصة إلى هناك في محاولة يائسة لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الناس. وأخذنا الحافلات إلى جامعة إكسافيير لنقل 450 طالباً بلا مأوى إلى برّ الأمان.
وعندما وصلنا إلى هناك، أحيطت الحافلات بطوق من العائلات اليائسة التي ظلّت تنتظر وصول المساعدة طيلة الأسبوع، كانوا يقبعون هناك من دون طعام أو ماء. وكانوا يدعون الله أن تكون هذه الحافلات مرسلة إليهم. أخذنا معنا منهم أكبر عدد نقدر على حمله في الحافلات، لكننا كنا مجبرين على أن نترك وراءنا عدداً يفوق حدود تحمُّل أي ضمير حي.
لقد كان كاترينا إعصاراً كابوسياً، لكنه ضرب بلداً يعاني من إهمال كابوسي. وتماماً كما يحدث عندما تضرب الأعاصير هاييتي أو إندونيسيا، فإن كاترينا كشف الغطاء عن الفقر في أميركا. فلقد تم تحذير السكان بأن عليهم مغادرة نيواورليانز والمناطق الساحلية مع اقتراب كاترينا، لكن الكثير من الفقراء ومعظمهم من سكان الضواحي السود في نيوأورليانز وسكان الأرياف البيض والسود في ميسيسبي وأماكن أخرى، لم تكن لديهم سيارات.
وحدث ذلك في نهاية الشهر عندما لا يتبقى سوى القليل من المال لدى الفقراء، والذين لم يستطع الكثيرون منهم تحمُّل تكاليف بترول السيارة أو تذكرة القطار أو الحافلة. البعض أقعده المرض عن السفر، وكثيرون آخرون كانوا متعبين جداً وفقراء جداً لدرجة أنهم لم يكونوا على استعداد لترك ممتلكاتهم القليلة وراء ظهورهم. وفي نيواورليانز كان الأثرياء يعيشون عموماً في المناطق المرتفعة نسبياً، والفقراء في القاع.
وبعد صدور التحذيرات غادر الأثرياء تاركين وراءهم الفقراء والمسنِّين والمرضى والضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة. وتوجه العديد من هؤلاء إلى حيث طُلب منهم أن يذهبوا ـ إلى مركز المؤتمرات أو «سوبردوم» ـ ووجدوا هناك حالة عارمة من الفوضى: عجز خطير في الغذاء والماء. رعاية طبية غير كافية. دورات مياه معطلة، وأسوأ من ذلك كله، عدم وجود أفراد من القوات المسلحة أو الشرطة لحفظ النظام. لقد جلب كاترينا الدمار، لكن القادة أخفقوا في جهود الإنقاذ وإعادة التوطين الحيوية لإنقاذ الأرواح.
وعندما ضربت العاصفة شواطئنا، توجه الرئيس بطائرته إلى مكان آخر حيث كانت لديه ارتباطات أهم ـ إلقاء خطاب عن خطته لقانون العقاقير الدوائية وخطاب يدافع فيه عن الحرب في العراق ـ، ووزيرة الخارجية بقيت في عطلة حتى نهاية الخميس، مستمتعة بحضور مباريات بطولة التنس المفتوحة.لقد انحرف كاترينا في الدقيقة الأخيرة، ولم يضرب نيوأورليانز بشكل مباشر كما كان متوقعاً، ومع ذلك لم تصمد السدود، كما توقع الكثيرون، وغمرت المدينة بالمياه.
ولم يكن يخفى على أحد ضعف السدود وعدم كفاءتها. ولقد كان سيناريو تعرض نيوأورليانز لإعصار مدمر أحد أهم ثلاث أولويات على أجندة الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ. لكن الخطط الرامية لتدعيم السدود المانعة للفيضانات ـ ولإعادة بناء الدلتا الطبيعية والحيود البحرية الجاهزة التي حمت المدينة طيلة عقود ـ تم تأجيلها وتأخيرها بسبب قصور الميزانية. فالبيت الأبيض دأب على تقليص ميزانيات أعمال البنية التحتية وفرق المهندسين العسكرية.
ولقد خصص الكونغرس الجمهوري لهذه الميزانيات مبالغ أكبر من تلك التي طالب بها الرئيس لكن أقل بكثير من احتياجاتها.أين كانت الأموال؟ كان أول بند في قائمة أولويات بوش التخفيضات الضريبية التي استفاد منها الأثرياء عموماً، وليس الفقراء الذين عانوا من وطأة العاصفة.وكان ثاني بند على أجندة بوش، حرب العراق التي وعد رجال الرئيس بأنها ستغطي نفقاتها بنفسها.
والآن وصلت تكلفة هذه الحرب إلى 200 مليار دولار، والرقم آخذ في الازدياد، لكن بوش لم يشأ أن يغامر برفع الضرائب من أجل تغطية تكاليف الحرب، بل راح يقلّص الإنفاق على البرامج التي يستفيد منها الفقراء على برامج البنية التحتية الأساسية في هذا البلد ـ على كل شيء من تقوية سدود نيوأورليانز إلى إصلاح المدارس ـ وذلك بدافع قناعته بأن معظم الناس لن يلاحظوا اختزال مثل هذه الميزانيات.
ولم تصل قوات الحرس الوطني حتى يوم الخميس على أساس أن يصل 1300 منهم كل يوم. وفي هذه الأثناء أصبحت المدينة خارجة عن القانون، وبات اليائسون مضطرين للرد على العنف.أين كان الجنود؟ ثلث الحرس الوطني في لويزيانا ومسيسيبي منتشرون في العراق. وهؤلاء الجنود يأتون على الأغلب من أقسام الإطفاء والشرطة، وهو ما يضعف قوات الطوارئ والحرس المحلية.
وهناك ما يكفي من قوات الحرس في الولايات الأخرى لسد النقص ـ لكن إيصالهم يتطلب وقتاً ـ كما أنهم لا يعرفون مداخل المدينة ومخارجها. وفي أعقاب كاترينا، أصبح عامل الوقت هو كل شيء.إن الكوارث الطبيعية تعرّينا. تكشف بطولتنا وسخاءنا ولصوصيتنا وعدم كفاءتنا.
وأظهر الإعصار كاترينا أن نيوأورليانز ليست مدينة بهارج وتألق، بل مدينة فقر وبؤس. وعرّى كاترينا مجتمعاً يترك فيه الضعفاء المليارات ليناضلوا بأنفسهم من أجل البقاء. وعرّى إدارة تنفق على حروب خارجية مغرورة ليس لها ضرورة ولا تستثمر في البنية التحتية الأساسية وإجراءات الصحة العامة في حالات الطوارئ هنا في الوطن.
وعرّى رئيساً يطلب من الكونغرس خفض الضرائب لمصلحة أثرياء أميركا، مصمماً في الوقت ذاته على تخلي آلاف الفقراء ـ الذين ترونهم الآن في نيوأورليانز ـ عن رعايتهم الصحية نظراً لتخفيض نطاق تغطية مديكير ومديكيد.إن تعامل إدارة بوش مع كارثة كاترينا يعتبر على نطاق واسع «أمراً محرجاً»، لكن أولويات الرئيس وإدارته أسوأ بكثير من مجرد وصفها بالمحرجة، انها باهظة التكلفة وخطرة بشكل متزايد.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لـ «البيان»