بخلاف عدد من اللقاءات المتفرقة التي أجراها رئيس المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية مع بعض مسؤولي الفصائل في عمان ودمشق ورام الله، لم تشهد الساحة الفلسطينية تحركاً قوياً أو ملموساً بشأن تطبيق فكرة تفعيل منظمة التحرير بل ومبلغ العلم ان لجنة التفعيل التي اتفق عليها في حوار القاهرة قبل خمسة أشهر لم تجتمع بقوامها كاملاً للبحث في الغرض الذي أنشئت من أجله ولو لمرة واحدة!.
هذا التجاوز لقضية النظر في أوضاع المنظمة وسيرورتها ودورها ووظيفتها في الحال والاستقبال، هو الذي يفسر مثلاً أزمة التنازع بينهما وبين سلطة الحكم الذاتي بشأن أحقية تمثيل السياسة الخارجية الفلسطينية وإدارتها. وهي الأزمة التي ما انفكت تجلياتها تطفو وتحنو في بعض المناسبات ومن حين لآخر وكان الجدل حول مصير المنظمة في ظل الحكم الذاتي قد تقلص فور نشر إعلان المبادئ الشهير باتفاق أوسلو في سبتمبر 1993،
لكنه اندلع أكثر وانداح في تضاعيف الحياة السياسية الفلسطينية بعد قيام السلطة الوطنية عام 1994، واقتطاعها الزاحف لمزيد من صلاحيات المنظمة، بما يخالف المزاعم بان هذه الأخيرة هي المرجعية العليا للسلطة. وعليه، توالت الشواهد على امتصاص الكثيرين فلسطينياً، لاسيما من أهل الخارج (الملاجئ)،
مما وصفوه بتغول الفرع على الأصل، وصولاً إلى تجفيفه وهجرانه وتجويفه من الفاعلية. وللإنصاف، لم يكن هذا الامتعاض، المصحوب بالشك والتأفف، صادراً في شقه الأعظم عن غيرة البعض على مناصب ومكتسبات ذاتية، راكموها في عهد وحدانية وجود المنظمة ويبغون الحفاظ عليها. فثمة دفوعات قوية ويمكن تفهمها موضوعياً في معرض التبريد الوطني المجرد من الأهواء الخاصة لهذه المواقف.
تتعلق هذه الدفوعات إجمالاً بالتخوف على وحدة الوجود والتصور السياسيين للشعب الفلسطيني، التي طالما عبرت عنها المنظمة. بصيغة أخرى، كانت هناك ـ ومازالت ـ شكوك في قدرة السلطة على تحمل طاقة تمثيل عموم هذا الشعب وقضيته الوطنية برمتها، عوضا عن أو بديلاً من المنظمة، بالنظر إلى حجم الضغوط التي تخضع عن أو بديلاً من المنظمة، بالنظر إلى حجم الضغوط التي تخضع لها السلطة والمحددات والقيود الصارمة التي تعمل تحت وطأتها، إسرائيلياً وعربياً ودولياً (أميركياً بالذات!).
ولا ينكر أصحاب هذه الشكوك، من العاطفيين على مكتسبات المنظمة والساهرين عليها طويلاً، ان منظمتهم بدورها ليست راهناً، ولا كانت يوماً، بمفازة من الضغوط وعوامل الكبح المعاكسة لسيرتها، لكنهم يطرحون عن حق، بأنها كانت، ويمكن ان تبقى عموماً، أقدر على المقاومة وأصلب عوداً وأوسع شعبية وإسنادا حقوقياً مقارنة بالسلطة.
المنظمة عند هؤلاء وعندنا وبمقتضى سجلها السياسي والقانوني، تحظى بميزات رحابة آفاق الحركة وشمولية الصلاحيات والوظائف على جميع الصعد الفلسطينية السياسية وغير السياسية. هذا على حين تظل السلطة مرتهنة، من حيث التكوين والولاية وهوامش الحركة، بالاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية. ومن المعروف ان المادة السادسة من اتفاق أوسلو أحصت حصرياً صلاحيات السلطة بمجالات «التعليم والثقافة والصحة والشؤون الاجتماعية والضرائب المباشرة والسياحة وإنشاء قوة شرطة».
كما سمح الاتفاق للسلطة باقامة مجموعة من الهيئات ذات الطبيعة الفنية غير السياسية. وأهم من ذلك، ان الاتفاقات المتوالية اللاحقة فضلاً عن أوسلو 1993، حظرت على السلطة التمتع بأية صلاحيات خارج دائرة التراضي المسبق مع إسرائيل. وقد تشددت هذه الأخيرة في هذا الحظر بالنسبة للسياسة الخارجية والعلاقات الدولية والولاية على أمن المستوطنات وقاطنيها.
هذه المعطيات تؤكد طلاقة ايدي المنظمة قياساً بالسلطة الوطنية. غير ان البعض قد يجادل بأن السلطة سعت إلى توسيع وظائفها وصلاحياتها عملاً بنظرية «خذ وطالب» وهذا يحسب لها لا عليها.. ثم ان كثيراً من حقائق ومخرجات عهد أوسلو طمرتها المتغيرات والمستجدات، وهكذا فإنه لا معنى للتذرع بذلك العهد الذي بادرت إسرائيل إلى نبذه ظهرياً. وهناك من يتسائل عن العيب في محاولة السلطة لمد ولايتها إلى قطاعات وطنية، ترى أن الفلسطينيين مصلحة في الاستحواذ عليها ومنها السياسة الخارجية؟!
ولاحق ان الدفاع عن تمدد صلاحيات السلطة من هذه المنطلقات يبدو معقولاً ومنطقياً، لكن ما يجرح صدقيته يتعلق بمجافاته للواقع.. فلو ان هذا التمدد كان ناشئاً عن تصور مسبق من لدن المفاوض الفلسطيني، لما لاحظ احد التعارض بين السلطة والمنظمة حول بعض الصلاحيات..
مثلاً، يصعب الادعاء بأن الخلاف على إدارة السياسة الخارجية بين فريق فاروق القدومي وفريق ناصر القدوة، هو من قبيل توزيع الأدوار أو أن ثمة بين الفريقين تنسيقاً مسبقاً. ثم انه يصعب الادعاء بأن إسرائيل تعيش في غفلة عما يعتمل من تفاعلات على الجانب الفلسطيني بين المنظمة والسلطة.
بهذا الخصوص، يحق التساؤل عن أسباب السكوت الإسرائيلي إزاء رغبة السلطة في الاستحواذ على السياسة الخارجية الفلسطينية، بما يخالف وضعية هذه السلطة وأحكام وجودها؟!.. ترى هل تعتقد إسرائيل ان تعجيز المنظمة على الصعيد الخارجي (الدولي ) يصب في مصلحتها؟
ربما كان الأمر كذلك.. باعتبار أن تل أبيب أقدر على ممارسة الضبط والضغط بحق السلطة مقارنة بالمنظمة، خاصة بعد غياب مهندس التوازن بين الكيانين، الأصل والفرع، ياسر عرفات ولعل الخيال السياسي الإسرائيلي ذهب إلى تصور أن أقول السياسة الخارجية للمنظمة من شأنه توهين الصلة بين فلسطيني الداخل وفلسطيني الملاجئ، وانه بمرور الوقت يمكن ان تنفك عرى وحدة الوجود السياسي وتقرير المصير للشعب الفلسطيني،
وقد يمسي العالم أمام مصائر فلسطينية وليس أمام مصير واحد طالما عبرت عنه المنظمة. الرأي في كل حال، انه حان وقت تقعيد العلاقة بين المنظمة والسلطة على محجة بيضاء. فاستمرار الهيولية والضبابية على هذا المضمار سيفضي إلى مزيد من الخسائر للمصلحة الفلسطينية العليا، وسيلحق الأذى بصورة الكيانية السياسية الفلسطينية وربما أدى إلى تشظيتها. كيف لا ونحن في مرحلة تكاد فيها التشظية والتشطير ان تكون استراتيجية ثابتة لتعامل قوى دولية فاعلة مع رحابنا العربية؟
أكاديمي وكاتب فلسطيني