بعد أن حاصرتهما النيران لم تجد تلك الأم الإفريقية من وسيلة لإنقاذ طفلها غير أن ترمي به من نافذة الدور الرابع ليلقى مصيره وتلقى مصيرها قبله! وفي المبنى نفسه في اللحظة نفسها، وفي الطابق الخامس كانت هناك عائلة كاملة من سبعة أفراد حاصرتها النيران نفسها فلاقت مصير الموت البطيء بين نيران اللهب ونيران الحياة في صعوبة الحصول على لقمة العيش في بلد لا يتوقف عن التفاخر من خلال شعاراته بالأخوة والحرية والمساواة .
كفرنسا والذي كان يقوم لعدة عقود مضت من الاستعمار المرفوض إنسانيا وأخلاقيا لبلدانهم الفقيرة (ومازال حتى هذه اللحظة) باستثمار ما تبقى من خيراتهم المتبقية.وقبلها بأيام كانت هناك واقعة مشابهة وفي باريس نفسها وضمن أحيائها المخصصة للطبقات المعدمة من الأفارقة التي تعيش في أوضاع لا إنسانية ومزرية لا يمكن أن يتخيل وجودها من يسير في شوارع الشانزليزيه ويشرب القهوة في مقهى الفوكيه أو ينام في شقق الضفاف اليسرى من نهر السين.
الغريب في الأمر أن معظم المباني التي تحترق يسكنها أفارقة، وتحدثت بعض وسائل الإعلام عن فرضية أنها مدبرة من قبل جماعات عنصرية، وتحدثت وسائل أخرى عن أن الأسباب تعود للأوضاع السكنية المتردية التي يعيشها هؤلاء البشر القادمون من كوكب آخر. وإلى أن تُظهِر نتائج التحقيق السبب المختبئ وراء ذلك، فإننا جل ما نخشاه أن تكون تلك الحرائق مصدرها العنصرية المتوارثة في أوروبا.
والعنصرية ليست محدودة فقط في رفض اللون الأسود من قبل البشر ذوي اللون الأبيض (حيث لم نسمع بعد عن عنصرية سوداء ترفض اللون الأبيض!!) ـ فالعنصرية كلمة أصبحت شاملة ووصلت إلى التمييز الطبقي والتمييز المادي والثقافي والعقائدي وغيرها من أشكال التنوع البشري، غير أن العنصرية اللونية هي أكثرها تبجحا ولا إنسانية.
ترى ماذا قدم لنا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر قبل ستين عاما (1948) والذي صوتت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع ومن بينها دول تمارس بنفسها اليوم العنصرية اللونية والإثنية والعقائدية؟! ربما حقق ذلك الإعلان بعض التقدم في مكافحة العنصرية، ولكن العولمة الأخيرة جعلت من العنصرية أمرا لا مفر منه.. وأصبح البحث عن لقمة العيش أمرا لا يعترف بحقوق الآخر في الحياة... وأصبح على الصغير أن يقبل بالتهام الكبير لكيانه ولوجوده كجزء من سنة حياة الغاب.
إن للعنصرية تاريخاً لا يعتز به. عرفته جميع الشعوب على مدار الزمن. فالتفاخر بالأنساب عنصرية، ورفض الاعتراف بنسب عنترة بن شداد عنصرية، وقتل النساء عنصرية، وهتلر كان عنصريا، وحكومة بريتوريا كانت عنصرية والجدار الفاصل في دولة إسرائيل والأوضاع التي يعيشها الفلسطينيون منذ احتلال أراضيهم وهدم بيوتهم وقتلهم وتصفية رموزهم عنصرية من نوع فاخر،
والصمت العالمي أمام ذلك هو في حد ذاته عنصرية ( أولا تقوم الدنيا وتقعد عند مقتل مستوطن يهودي؟) وتاريخ أميركا مع الزنوج والهنود الحمر (و اليوم مع العرب والمسلمين وكل من هو شرقي السمات وكل من لا يدين بدينهم أو سياستهم) هو تاريخ من العنصرية بحد ذاته، وما زالت هناك مجموعات عنصرية سامة وقاتلة تعيش بأمان على أراضي الولايات المتحدة الأميركية وهناك من يقوم بتغذيتها وتسمينها... والاستعمار الغربي عنصرية، واعتبارنا عالما ثالثا أيضا عنصرية!
لقد استغل البعض نظرية داروين في النشوء والتطور وظن أن هناك فروقات في الذكاء بين الأجناس البشرية (ومن المغالطات الحديث عن وجود أجناس بشرية، فالبشر كلهم جنس واحد!!) أدت إلى فروقات حضارية وحيث إن هناك أجناسا متحضرة أكثر من غيرها فلا بد أن تكون هناك إذن فروقات بيولوجية أدت إلى ذلك؛ فهناك إذن بشر من الدرجة الأولى وهناك بشر يجب القضاء عليهم كالصراصير.
(أو لم يتبجح أحد السياسيين الإسرائيليين قبل عشرين عاما بقوله إن إسرائيل قادرة على حشر العرب في عنق الزجاجة كالصراصير؟!) ـ فلا نستغرب عودة الأحزاب والجماعات والتنظيمات العنصرية في أوروبا إلى سابق عهدها، خاصة النازية الجديدة في ألمانيا وأوروبا بشكل عام، واليمين المتطرف في فرنسا وعلى رأسه جان ماري لي بين الذي كاد أن يصبح عام 2002 رئيسا للجمهورية الفرنسية وحارسا لشعاراتها الثلاثة التي مر ذكرها،
ونفس النوعية من الأحزاب السياسية والتنظيمات السرية بدأت أخيرا تخرج رؤوسها في ألمانيا والنمسا وإيطاليا وبريطانيا وأسبانيا واليونان، وكلها تهدف إلى القضاء على اللون الآخر، والثقافة الأخرى، والمعتقد الآخر... إن جل ما نخشاه من الحريق الذي اندلع في السلالم الأولى لمبنى « لو روا دوريه أي الملك المذهب» (مع أن الذين يعيشون فيه لا علاقة لهم لا بحياة الملوك ولا بطعم الذهب !!) في باريس قبل أيام قليلة ليصل إلى الطوابق العليا وليودي بحياة عائلتين من بينهم 3 أطفال،
أن يكون بداية لنيران العنصرية اللونية والإثنية وللتعصب الأعمى في العالم الذي تمزقه الحروب والكراهية والعداونية... وأن تكون العولمة أشبه ما تكون بالزيت الذي يرمى على هذه النار، وجل ما نخشاه هو أن تصبح ثقافة الشعوب هدفا مرة أخرى ـ كما كانت زمن الاستعمار البريطاني والفرنسي خاصة ـ لتلك العنصرية التي لا يمكن وصفها إلا بالغبية المسرفة في الغباء ـ بعد مراجعة شاملة لنظرية داروين في التطور والنشوء!
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com