اليوم يعود كل شيء إلى دورته الطبيعية، يعود الطلاب إلى مدارسهم، والمعلمون إلى طباشيرهم وطوابير الصباح، والمسافرون إلى أوطانهم، والموظفون ـ أغلبهم ـ سيقولون وداعاً للإجازات الممتعة. من كان صحافياً أو له صلة قربى أو صداقة بالإعلام فإنه يعلم يقيناً أنه عائد لمتابعة شؤون العالم كله، ما يعنيه وما لا يعنيه، عائد ليدس أنفه وقلمه في تفاصيل حياة الناس والبلدان والساسة والسياسة.
معتقداً أنه سيحق الحق، ويبطل الباطل، لكنه حتماً سيفاجأ في آخر العام وهو ينهي أوراق طلب إجازته المقبلة بأن اعتقاده كان «عشم إبليس في الجنة»، وبأن المطلوب منه أن يتابع ويصور ويكتب ويثرثر فقط. أما تغيير العالم فإن آخرين كباراً جداً سيتكلفون به، وشكراً على خدماته مقدماً!
لا أحبط أحداً، فنحن جميعاً في الهم شرق، وفي هوى الإعلام بعض من بعض، لكنني خلال شهر كامل أمضيته في لبنان كلما فتحت جهاز التلفاز لا أجد سوى قنوات لا يجيد القائمون فيها شيئاً قدر إجادتهم إعداد البرامج السياسية وبعض برامج الصباح. مع ذلك فبرامج الصباح الخفيفة أرحم مئة مرة من تلك التي تعج بوجوه السياسيين الذين إذا تحدث أحدهم نصف ساعة فإنه سيكون قد كذب 25 دقيقة والخمس دقائق الأخرى وزعها على المجاملات والمديح للتلفزيون الذي استضافه، وللسياسيين الأعلى مرتبة منه!
في لبنان لا يتحدث الناس اليوم سوى عن المحقق الدولي الهمام «ديتليف ميلس» وتقريره المبدئي الذي قدمه، والمداهمات الأخيرة لبعض الشقق في بيروت والموقوفين الأمنيين الكبار، في لبنان سقط الناس في وهم تصديق مجموعة من السياسيين يكذبون على الشعب منذ سنوات طويلة كما يتنفسون، ومع ذلك فمازال كثير من اللبنانيين يصدقونهم ويمنحونهم ثقتهم وأصواتهم.. أ
حياناً لشدة اليأس وأحياناً لقاء مئة دولار، وأحياناً عملاً بالمثل القائل «ليس بالإمكان أفضل مما كان» أو أفضل من الموجود!بهكذا أمثال يسير المواطن العربي في شرق العالم العربي وغربه حياته كلها.. يتغاضى عن كل السيئات، ويقبل بكل الخطايا التي ترتكب بحقه، لا هو يتعلم من أخطائه، ولا السياسيون يعترفون بخطاياهم،
فتتكرر المآسي بطريقة «نسخة طبق الأصل»، لا أحد يعتذر، ولا أحد يخجل، ومن يجب أن يعتذر أصلاً، ثم من الأساس من ذا الذي يمكنه الاعتراف بأنه أخطأ ليعتذر؟ لهذا يعود كل شيء كما كان، وحين نقلب صفحات الأيام نعتقد بأن ما نعيشه اليوم قد حدث ذات يوم بالطريقة نفسها، والأخطاء نفسها، والروتين نفسه، وكل إجازة وأنتم طيبون!.
sultan@dmi.gov.ae