عندما يكتسب الإنسان سمعة مميزة في مجال العمل الإعلامي معتمدة على حرصه ا لشديد على إيصال الحقائق إلى الجمهور الذي يتابعه، ويبذل في سبيل الوصول إلى هذا الهدف جهده الكبير ويسخر له حياته، لا يملك المرء إلا أن يحترم هذا الشخص ويقدر الجهود التي يبذلها والأداء المميز الذي يقوم به. ومن هؤلاء الأشخاص الذين حظوا بتقدير واحترام كبيرين في مجال عملهم كان المذيع الأميركي بيتر جيننك، والمولود في كندا، الذي توفي في بداية شهر أغسطس.

بدأ جيننك حياته العملية عندما كان شابا في العشرين من العمر كصحافي وكمذيع عادي، غير أنه سرعان ما تألق وبرز كأحد أهم مذيعي الأخبار في الولايات المتحدة، وبخاصة عندما التحق بمحطات «أ.بي-سي »وصار أهم علامة في برنامج تلك المحطة الإخباري.

عبر مشوار حياته الذي اتسم بالعمل الدؤوب والسعي إلى إثارة المواضيع الحساسة التي تمس حياة الناس وتسليط الضوء على القضايا الساخنة، غطى بيتر جيننك، بجانب الأحداث والموضوعات التي كانت تشغل الناس أو بعضهم في بلده كقضايا الصحة والتعليم والبيئة، مساحات جغرافية تجاوزت حدود بلاده وشملت بقاعا عديدة من العالم، وبخاصة تلك المسماة بالمناطق الساخنة.

حيث غطى في عمله المناطق التي عانت من ويلات الحروب ومن الجرائم التي يرتكبها الأشخاص الذين طالما امتلكوا السلطة وكانوا مستعدين للحفاظ عليها والدفاع عنها، بغض النظر عن الثمن الذي يتكلف الناس بدفعه، والذي يشمل أحيانا أمنهم وموارد أرزاقهم وحياتهم.

ففي سنوات الستينيات من القرن الماضي كان بيتر جيننك من أوائل من ذهبوا إلى فيتنام وقدموا للشعب الأميركي صورة فيها الكثير من التفاصيل عن الحرب التي كانت تشنها أميركا هناك والدلائل الواضحة حول فظائعها. كما ذهب إلى كمبوديا في الثمانينات من أجل كشف أوضاع والصراعات الموجودة فيها، وكان هدفه من ذلك العمل المطالبة بأن تغير الولايات المتحدة من سياساتها الخارجية، إن كانت راغبة في التقليل من مظاهر العنف في العالم.

كما كان بيتر جيننك أيضا من أوائل من نبهوا إلى الجرائم التي حدثت في صربيا حيث قام بكشفها للرأي العام الأميركي. وقد كان من نتائج تغطيته تلك دفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف من المجازر التي كانت تحدث هناك وتغيير سياساتها حولها. من جانب آخر كان بيتر جيننك أول من أسس مكتبا إخباريا أميركيا في منطقة «الشرق الأوسط» تابعا للـ «أ.بي سي»،

وكان ذلك المكتب في بيروت، وقد غطى جيننك من خلاله قضايا الشرق الأوسط، وكان في تغطيته في الغالب شئ من الانصاف والمحايدة، وقد ساهمت تلك التغطية في كشف الكثير من أوضاع « الشرق الأوسط» للرأي العام الأميركي. أما في داخل الولايات المتحدة، ففي فترة الستينيات من القرن الماضي اشتغل بيتر جيننك بشكل كبير على تغطية حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، والتي كانت متركزة بشكل أساسي،

وكما هو معروف، في المطالبة بالحقوق المدنية للسكان المنحدرين من الأصول الأفريقية، والذين كانوا يعانون بشدة من أشكال التمييز المختلفة ضدهم في فرص العيش والتعليم والحياة الكريمة، مثلما كانوا يعانون من الجرائم العنصرية البشعة التي كانت ترتكب ضدهم عبر تاريخ وجودهم الطويل في تلك الأرض. وقد ساهمت تغطيته تلك في تقديم صورة واضحة للأميركيين حول تلك الأوضاع، كما ساهمت في تغيير الكثير من الأمور والحصول على الكثير من الحقوق لمن كانوا محرومين منها.

لقد كانت تغطية بيتر جيننك عبر تاريخ عمله كمذيع وكصحافي متميزة بأشياء كثيرة أهمها، حرصه على تقديم صورة متوازنة عما يقوم بتغطيته. و من بين الأشياء التي شاهدته مرة يقدمها وقدرت الجهد الكبير الذي بذله فيها حتى يتمكن من نقل صورة متكاملة، تغطيته في اليابان لذكرى الكارثة التي عانت منها تلك البلد من جراء قيام الولايات المتحدة بإسقاط القنابل النووية على هيروشيما ونكازاكي.

وقد نقل في تغطيته صورة متوازنة لتلك الكارثة وما خلفته من معاناة إنسانية وبيئية في ذلك البلد. وأهم ما ميز تلك التغطية في نظري حرص جيننك على تقديم ذلك الحدث لمشاهديه من خلال ذهابه شخصيا ثم عودته في نفس النهار لتقديم نشرته الإخبارية المعتادة من الـ «-أ .بي.سي»، مستفيدا من فارق الوقت بين الولايات المتحدة واليابان، وغير آبه لا بالتعب الذي واجهه في تلك الرحلة ولا معاناته فيها، إنما كان فقط معبرا عن التزامه تجاه مشاهديه وعن حرصه على تغطية ذلك الحدث شخصيا لهم.

وفي تغطيته لما جرى في الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر، أمضى بيتر جيننك ساعات طويلة في تقديم الأخبار والمستجدات، وقد تجاوزت تغطيته لذلك الحدث، كما ذكرت الـ «أ.بي.سي»، ستين ساعة في ذلك الأسبوع ،محاولا فيها تقديم صورة يستطيع المشاهد من خلالها التعرف على الأبعاد والملابسات التي كانت متعلقة بذلك الحدث.

ولقد وصفه بعضهم في ذلك الموقف بأنه كان محافظا على توازنه وبأنه كان يشكل ما يشبه نقطة الارتكاز في تلك الفترة التي كان فيها الكثيرون يتعاملون مع الأمور بسلوك غير موضوعي وغير متفهم. وقد قدم بيتر جيننك أيضا في تلك الفترة برنامجا حواريا حول الديانات وحول رفض وقبول الآخر ضم مجموعة من الصغار، وكان غرضه من ذلك البرنامج رفع وعي تلك الفئة بالمشاكل التي تحدث من جراء التعامل غير المتوازن مع الآخرين.

لقد كان بيتر جيننك العلامة المميزة لأخبار محطات «أ.بي.سي»، أخبار العالم الليلةـ وكان من الأشخاص الذين يحظون في مجال عملهم بالتقدير والاحترام، حيث حصل على جوائز عديدة له ولمحطته من جهات مختلفة، تقديرا لما قدمه من برامج، وللمواقف وأخلاق العمل التي كان يتمتع بها.

ولقد رثاه أشخاص كثيرون في بلده، إلا أحد رجال الدين المسيحيين المحافظين، الذي اعتبر وفاته أمراً إيجابياً للولايات المتحدة كونها قد تخلصت، كما يقول، من أحد الأشخاص الذين كانوا يعبرون، أو لا يستطيعون إخفاء عدم اتفاقهم مع سياسة الرئيس بوش وفريق عمله. غير أن الكثيرين مجدوا مواقف ذلك الرجل واعتبروه من الإعلاميين الأميركيين القلائل الحريصين على النزاهة وعلى المصداقية في أعمالهم.

جامعة الإمارات

hessahlootah@yahoo.com