عند منتصف سبتمبر الحالي ـ وبالتحديد يوم 14 من الشهر ـ يلتئم في نيويورك أكبر تجمع لرؤساء الدول والحكومات من جميع انحاء العالم.. المكان على وجه التحديد هو قاعة الجمعية العامة في مبنى الامم المتحدة ـ على نهر «الإيست» عند الطرف الشرقي من جزيرة «مانهاتن».
اما فترة الاجتماع فسوف تمتد على مدى ثلاثة أيام تشهد المناقشة العامة وفي إطارها تدور المداولات والحوارات بين رؤساء الوفود القادمة من كل ركن في المعمورة، اضافة إلى ما سيعقد بالطبع، على هامش لقاء القمة هذا من اجتماعات ثنائية وغير ثنائية على مستوى هذا الجمع الحاشد من مسؤولي دول وأقطار عالمنا، الذين من المتوقع ان يصل عددهم إلى 175 رئيساً للدولة أو الحكومة.
أما المناسبة الرسمية فتحمل اكثر من عنوان، على الوجه التالي :
- مؤتمر القمة الثاني للألفية
- الدورة التذكارية الستون للجمعية العامة للامم المتحدة.
من دفتر التاريخ
واذا ألقينا نظرة خاطفة على تاريخ انعقاد مثل هذه الدورات التذكارية في سجل المنظمة الدولية لصادفنا في دفتر التاريخ الحديث أهم ثلاث دورات عقدتها الجمعية العامة للامم المتحدة على الوجه التالي.
(1) دورة التأسيس: التي عقدت في عام 1945، وكانت في جوهرها احتفالا بانتصار الدول (الديمقراطية) الحليفة على خصومها في ألمانيا وايطاليا واليابان خلال الحرب العالمية الثانية.
(2) دورة الرؤساء وتحمل رقم الدورة الخامسة عشرة في مسلسل انعقاد الجمعية العامة وقد عقدت في نيويورك في سبتمبر عام 1960 واكتسبت هذه التسمية من واقع مشاركة اكبر عدد ـ وقتها ـ من زعماء العالم «التاريخيين» كما قد نسميهم، لاسيما من العالم الثالث أو من النصف الجنوبي ـ النامي من الكرة الارضية.. أما العنصر التاريخي بحق ـ بالنسبة لأمتنا ـ فربما تجسد في حقيقة استخدام اللغة العربية، ولأول مرة في التاريخ، خلال إلقاء الزعيم ناصر لخطابه من فوق منبر الجمعية العامة للامم المتحدة.
(3) المناسبة الثالثة تمثلت بدورها في انعقاد «قمة الألفية» في إطار الدورة الخامسة والخمسين للجمعية العامة (سبتمبر سنه 2000) : كانت قد جرت مياه وامواج كثيرة في جميع أنهار العالم.. وتغيرت الخارطة السياسية التي كانت الامم المتحدة قد تعودت عليها، طيلة الحرب الباردة وعلى مدى سنوات خمس وأربعين من تأسيسها (1945-1990). وكان أبرز هذه التغييرات انهيار المنظومة الاشتراكية وطرح مفاهيم جديدة.. ومخيفة ايضا في مجال التنظير السياسي،
كان في مقدمتها نظرية التصادم بين الحضارات التي قال بها الاستاذ الأميركي «صمويل هنتنغنتون» ومن هنا كان على قمة الالفية ان تبادر إلى طرح افكار تصحيحية كي تواجه بها ـ قدر الاستطاعة ـ تلك الدعوات التصادمية أو الصراعية التي هددت بعودة العالم إلى جديد.. اشد خطراً حتى من الانقسام المذهبي الذي ساد النصف الاخير من القرن العشرين بين الرأسمالية والشيوعية..
كان الصدام بين الحضارات أو بين الثقافات الذي قال به استاذ العلوم السياسية الأميركية مع مطالع التسعينات كان يهدد العالم باستقطاب كوكبي اشد وطأة لانه ينذر بصراعات غاية في الخطورة بين شعوب واقاليم بأكملها، خاصة وقد لخصها صاحب النظرية في تصادم مرتقب بين الغرب والآخرين، الذين تعمد ان يدرج في زمرتهم عالم الاسلام والمسلمين.
هنالك تدارك الامر اجتماع «قمة الألفية»، حين طرح الاقطاب من رؤساء دول العالم الاسلامي فكرة بديلة قالت بالحوار والتفاعل بين الحضارات بدلاً من الصراع أو التصادم بينها.. وبعدها تحولت قمة الالفية إلى مسار اكثر ايجابية حين عملت على تجسيد هذا المنحى الايجابي من شراكة المصير، فكان ان طرحت أجندة إنمائية كوكبية وطموحة تحت العنوان التالي:
**الغايات الإنمائية للألفية
وهكذا طرحت قمة عام 2000 العالمية ثماني غايات جوهرية شاملة جاء نصها كالتالي :
1 ـ القضاء على الفقر والجوع (في العالم) .
2 ـ تحقيق التعليم الابتدائي الشامل للجميع.
3 ـ إحراز هدف المساواة بين الجنسين في ظل تزويد المرأة بالقدرات اللازمة (تمكين المرأة).
4 ـ خفض معدل وفيات الرضع والاطفال.
5 ـ تحسين صحة الأم.
6 ـ مكافحة الاصابة بوباء فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز وبأمراض فتاكة اخرى مثل الملاريا.
7 ـ حماية البيئة من عوامل التلوث والانهيار.
8 ـ انشاء شراكة عالمية لصالح تحقيق التنمية.
بعدها انطلق العالم.. على مدار السنوات الخمس التي انقضت من عمر القرن الحادي والعشرين، من اجل بلوغ هذه الغايات الانمائية للالفية واحراز الاهداف التي انطوت عليها تلك الغايات ـ المقاصد وقد بلغ عددها 16 هدفا. في ضوء هذا كله، يمكن القول إن «قمة سبتمبر» المرتقبة ..ستكون في جوهرها مناسبة أو محفلا لتقييم ومتابعة ما تم انجازه من اهداف الغايات االإنمائية للالفية.. الى جانب تأمل عوامل الفشل أو النجاح بالنسبة لتحقيق تلك الاهداف.
لاعجب ان يستخدم السيد «كوفي عنان» في وصف هذه المناسبة المهمة العبارات التالية: ستكون تلك مناسبة ذات اهمية حاسمة، لأنها قد تهيء لنا افضل الفرص ـ وربما تكون فرصتنا الوحيدة ـ لكي نوطد دعائم عالم افضل أمناً و أوفر عدلا واكثر رخاء، في إطار هذا القرن الجديد.
يبقى أخيرا سؤال مهم يقول:
ـ ماذا تحقق على سبيل النجاح أو الانجاز من الغايات ـ الاهداف الانمائية للالفية؟
ـ في محاولة الاجابة عن هذا السؤال نحيل الى كتاب «العلامات الحيوية» (فايتال ساينز) الصادر في واشنطون عن معهد مراقبة احوال العالم (وورلد ووتش ) يضم هذا الكتاب دراسة كتبتها الاستاذة «هيلاري فرنش» ، مديرة مشروع «العولمة واساليب الحكم» المنبثق عن المعهد المذكور.
من عنوان الدراسة تؤكد الباحثة ان الامر بحاجة إلى مزيد من الجهود من اجل تحقيق الغايات الانمائية للالفية. وفي نفس السياق تنشر الدراسة جدولا مهما يوضح ما امكن تحقيقه على مدار السنوات الخمس السابقة. ومن واقع هذا الجدول ـ ولاعتبارات مساحة مقالنا ـ نحاول ان نعرض فيما يلي، وبإيجاز شديد، أهم عوامل الانجاز والاخفاق التي شهدتها تلك السنوات الخمس:
.. نجحت مجموعة الدول العربية على طريق الوصول بحجم الفقر المدقع في العالم العربي إلى النصف بما يبشر، أو قد يبشر، بامكانية انجاز هدف القضاء على نصف ظاهرة الفقر والجوع في وطن امة العرب بحلول عام 2015. .. من ناحية اخرى، يوضح الجدول العالمي المنشور أن ـ المجموعة العربية مازالت متعثرة الخطى على طريق خفض معدلات وفاة الاطفال والرضع.
.. أما مجموعة دول شرقي اوروبا (الاشتراكية سابقا) فقد نجحت في تحقيق هدف التعليم الابتدائي للجميع.. وكذلك في إتاحة مياه الشرب النقية للجميع.. ثم تعثرت للاسف في محاولة انجاز سائر الاهداف . .. المآساة ما زالت في افريقيا، التي ما برحت متعثرة الخطى بالنسبة لكل الاهداف والغايات الانمائية للالفية.
أخيرا.. تحيل الدراسة العالمية إلى مرجع دولي موثوق هو برنامج الامم المتحدة الإنمائي الذي يقول:
ـ إذا نظرنا الى جهود العالم بشكل عام.. سنجد ان العالم مازال متعثرا وهو بسبيل الكفاح من اجل تحقيق غايات الالفية، ومع ذلك فهناك استثناءان ايجابيان يدعوان إلى قدر من الارتياح، ومفادهما ان العالم يسير على الطريق الصحيح ازاء هدف الوصول بحجم الفقر في العالم إلى النصف بحلول عام 2015،
إضافة إلى هدف الوصول إلى النصف أيضا بالنسبة لعدد سكان العالم ممن لايزالون محروين من مياه الشرب النقية. والمعني ان الامر بحاجة إلى المزيد من الجهد والمزيد من المال والمزيد من روح الشراكة العالمية. ذلك هو التحدي الذي يواجه 175 رئيسا لدولة أو لحكومة، عندما يلتقون ويتحاورن ويتباحثون بعد اقل من اسبوعين في مقر الامم المتحدة بنيويورك.
كاتب مصري ـ خبير في الإعلام الدولي