ثلاثة تلاميذ عراقيين يجلسون في فناء مدرسة خلف مقعد خشبي أمامهم كتب.. ووراءهم جندي أميركي يقف بكامل سلاحه وخوفه لحمايتهم. جندي آخر في مكان آخر يداعب طفلة عراقية لم تغتسل منذ أسابيع، شعرها الكث يشي بذلك. ربما قتلت أمها بقذيفة قبل أن تدرك الطفلة ماذا يجري. ليس مهما.. المهم أن الجنود الأميركيين يزرعون الحياة والحرية في العراق.. هكذا يراد للصور الغبية التي تنشر بين الحين والحين، بين القتيل والقتيل من القوات الأميركية.

عدد هؤلاء القتلى يقترب من الألفين والجرحى بالآلاف أما العراقيون فقد بلغ قتلاهم المدنيون مئة ألف قبل شهرين. أيضاً لا يهم.. المهم أن الرئيس على صواب.. والحرب لم تكن مبنية على كذبة.. والانتصار فيها يحتاج إلى الصبر حسب ما طلب بوش من مواطنيه. ها قد اتفق العراقيون على مسودة الدستور بدون موافقة العرب السنة.. لا يهم.. بدون أن يجري الاستفتاء.. لا يهم.. الدستور بصيغته الحالية سيزيد من الانقسامات الطائفية والعرقية.. العنف سيستمر ويتصاعد..

دول مجاورة قد تجد نفسها مضطرة للتدخل في النزاع بين الطوائف والإثنيات. الحرب الأهلية تدق الأبواب كما تتوقع «الأوبزيرفر». لا يهم، لتشتعل. قد تمنح الأميركيين عذرا للانسحاب.. وفي حال انسحابهم ستتحقق توقعات تشظي العراق وتقسيمه، وفي أحسن الأحوال ستقوم دولة فاشلة وتصبح البلاد بيئة مثالية للإرهاب الذي كان من المفترض أن تقضي عليه «الحرب الأميركية على الإرهاب»!

بوش، كمن رأى السراب نبع ماء، سارع إلى الترحيب بإعلان الاتفاق المنقوص على مسودة الدستور ليلة الثامن والعشرين من أغسطس، نسي وعوده للعرب السنة وضغوطه من أجل إشراكهم في العملية السياسية. ومن كروفورد التي يمضي فيها إجازة محارب فاشل صاح: «إنها مصدر الهام لأنصار الديمقراطية». أما سفيره في بغداد زلماي خليل زاده فكان سرابيا أكثر من رئيسه. رأى في المسودة أنها «الوثيقة الأكثر تقدماً في العالم الإسلامي».

ولم يقل العالم العربي باعتبار أن مسودة الدستور نزعت عن العراق عروبته. وهو، أي خليل زاده، كان قريبا جدا من مفاوضي المسودة خلال الأسبوعين الماضيين. واضح أن بوش يبحث عن «نجاح» في العراق لتغطية الفشل الحقيقي الذي لم يعد الحديث عنه في الولايات المتحدة ذاتها همسا، وإنما مظاهرات وافتتاحيات صحف والأخطر انقسام بين الحزب الجمهوري نفسه.

لقد بدأت الأرقام تتحدث عن كلفة الحرب وتأثيرها على الاقتصاد الأميركي، واعتبرها خبراء الحرب الأكثر تكلفة في التاريخ المعاصر، فحتى الآن تقدر تكاليفها بـ 300 مليار دولار.. أي أن كل ثلاثة أيام ونصف اليوم تكلف حوالي 650 مليون دولار وسبعة قتلى من القوات الأميركية، وإذا ما استمرت الحرب حتى العام 2010 فسوف يرتفع هذا الرقم إلى تريليون دولار، وذلك حسب دراسة أعدها الكونغرس.

لم تعد المبررات التي يسوقها بوش لمواصلة الحرب تقنع الأميركيين، فنسبة الـ «72» منهم الذين كانوا يعتقدون قبل سنتين أن فكرة الحرب كانت صحيحة، تراجعت إلى أن أصبح «54» من الأميركيين يرون الآن أن الفكرة كانت خطأ فادحا و«57» يرون أن غزو العراق جعل بلادهم أكثر عرضة لهجمات إرهابية.. ويطالب «65» بضرورة الانسحاب.

غير أن الأخطر من ذلك ظهور معارضة جمهورية للإدارة الجمهورية. يتزعم هذه المعارضة السناتور شال هيغيل الذي طالب بضرورة صياغة استراتيجية للانسحاب من العراق ومحذرا من فيتنام جديدة.. وانضم إلى هيغيل وهو المرشح الجمهوري المحتمل للانتخابات الرئاسية العام 2008 العديد من أعضاء الكونغرس بالإضافة طبعاً إلى تصاعد المعارضة الشعبية التي تقودها سيندي جيهان، والدة احد قتلى الحرب، مع معارضي الحرب الذين حاصروا منزل بوش في كروفورد حيث يقضي إجازة صيف تحولت إلى كابوس.

ثمة استحقاق انتخابي يقترب، وأعضاء الكونغرس الجمهوريين الذين عادوا إلى ولاياتهم ومقاطعاتهم لتمضية عطلة الصيف يقومون باستطلاعاتهم الخاصة عن أجواء الشارع الأميركي، وحسب روجر أوين مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد، فقد ظهر قلق واضح لدى بعض الأعضاء الجمهوريين من أن المعارضة المتزايدة للحرب على العراق ستؤثر كثيرا على التصويت للحزب الجمهوري في انتخابات أعضاء الكونغرس العام 2006.

كذلك فإن الانتخابات الرئاسية العام 2008 ليست بعيدة، وإذا ما تصاعدت المعارضة الشعبية للحرب بالوتيرة نفسها فإن خسارة المرشح الجمهوري، أياً كان، تصبح مؤكدة.. وبذلك يكون تهور بوش قد افقد حزبه الشعبية والرئاسة و... مبادئ الحرية والديمقراطية التي رماها في مستنقع العراق.

إن الانقسام الحاصل الآن بين الجمهوريين يؤكد فشل تيار المحافظين الجدد وتراجع أيديولوجية الصقور من أمثال تشيني ورامسفيلد ورايس وهو ما يؤدي بالضرورة إلى اندثار هذه النزعة المتخلفة والمدمرة وظهور جناح آخر داخل الحزب يعيد إلى السياسة الأميركية الواقعية والعقلانية، وقد يعيد إلى أميركا بعضا من توازنها ومصداقيتها ويكف الأميركيون عن السؤال: لماذا يكرهوننا؟!

كاتب من الأردن