في أوائل شهر يونيو، اهتزت دوائر السياسة والإعلام وتجاوبت معها أوساط الرأي العام في الولايات المتحدة بأنباء الكشف عما أصبح يعرف في أدبيات السياسة الأميركية المعاصرة باسم «الحنجرة العميقة». وقد أصبحت هذه العبارة بمثابة مصطلح يشير إلى مصدر إخباري موثوق ولكنه أيضا المصدر المخبوء أو المحاط بهالة أو بغلالة كثيفة من الأستار والأسرار على السواء.

لقد ظل سر «الحنجرة العميقة» بعيداً عن تناول الرأي العام، محجوبا عن معرفة الجميع، اللهم إلا رجلين اثنين من محترفي الصحافة الخبرية أو صحافة التحقيق المعلوماتي والخبري التي باتت تجمع بين المتابعة العميقة للمواضيع والقضايا الهامة وبين العمل على صب حجم هائل للمعلومات والبيانات المتجمعة في قالب الكتابة الصحافية بكل ما تتوسل به من فنون الجذب ورشاقة العرض وأساليب التشويق.

أكثر من 30 عاما هي الفاصلة بين استقالة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون في أعقاب ما يعرف باسم «فضيحة ووترجيت» وبين ما أذيع في مطالع يونيو عن اسم المصدر الجوهري والأساسي للمعلومات التي استعانت بها الصحافة لتفجير هذه الفضيحة.

ورغم أن بورصة التكهنات والتخمينات ظلت مفتوحة ومنصوبة طيلة هذه الأعوام ـ التي تكاد تشكل جيلا كاملا من البشر ـ إلا أن هذه التخمينات ما لبثت أن بلغت ذروتها عندما تم الإعلان في مؤتمر صحافي عن اسم هذا المصدر الفائق السرية سابقا فإذا به السيد «فيلت» ـ الذي يوغل حاليا في العقد التسعيني من العمر.

وكان قبل تلك الأعوام الثلاثين المسؤول رقم «2» في مكتب التحقيقات التابع للمباحث الفيدرالية الأميركية بمعنى أنه كان المساعد الأول واليد اليمنى لرئيس ذلك المكتب الشهير العتيد «إدجار هوفر».

كان هذا المسؤول الكبير في إدارة نيكسون هو الذي زود اثنين من الصحافيين الشباب وقتها وهما «بوب ودوارد» وزميله «كارل برنشتين» ـ اللذين كانا ينتسبان إلى جريدة واشنطن بوست ـ بالمعلومات السرية الداخلية التي كانت بطبيعة الأمور احتكاراً مقصوراً على دوائر الحكم في واشنطن.

وكانت المعلومات تتعلق ـ كما أصبح معروفاً ـ بحكاية «ووترجيت» التي بدأت مجرد حادث سطو من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة دبرته عناصر الحزب الجمهوري الحاكم حزب رئيس الجمهورية نيكسون على مقر الحزب الديمقراطي، المنافس وكان الهدف هو الإطلاع على مخططات وتكتيكات المعارضة التي كانت قيادات الديمقراطيين تنوي تنفيذها تحت قبة الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ.

ولأن معظم النار من مستصغر الشرر، فقد بدأت القضية ـ الفضيحة باشتعال شرارة السرقة الخائبة في بناية ووترجيت في أحياء واشنطن ولكنها ما لبثت أن تطورت وتضخمت أو فلنقل اتقدت جذوتها واندلعت ألسنة نيرانها لتطول سيد البيت الرئاسي الأبيض شخصيا وكبار مساعديه، الذين تراوحت مصائرهم ما بين العزل والفصل إلى التشهير والسجن.

دع عنك أن تسوء الأمور إلى حد أن يضطر الرئيس نيكسون نفسه إلى الاستقالة توقيا لخطر الإقالة أو العزل بعد محاكمة ـ ينصبونها له حسب تعاليم الدستور ـ أمام نواب الأمة وشيوخها.

ولم تكن حادثة السرقة أو السطو هي خطأ الرئيس نيكسون، بل كانت خطيئته الأساسية تتمثل كما يقول محللو المرحلة ومؤرخوها في أنه حاول التستر على الخطأ وجاهد لكي يغطي ذيول الفضيحة، وكان طبيعيا أن يقوده هذا السلوك إلى سلسلة من الأكاذيب التي اضطر أن يستخدمها في أحاديث مذاعة على جماهير أمته ومنها قوله الشهير:

أنا لست كذابا ولا محتالا، وكان مأساوياً، بل كارثياً ـ كما قد نقول ـ أن كل حوارات وتعليمات وأوامر رئيس الدولة الأميركية كانت خاضعة لتسجيلات دقيقة، ولأمر ما لم يأمر نيكسون ـ رغم حصافته الشهيرة ـ بمحوها أو إعدامها.

وربما كان الإهمال، أو كان الغرور والاحتماء بالموقع الرئاسي الرفيع هو الفخ الذي نصب فيه القدر شباكه ليوقع فيها ذلك السياسي المحترف فيضطر ـ كما أسلفنا ـ إلى الاستقالة ويعيش على مدى عقدين وأكثر، نهبا لعزلة باردة موحشة وقاسية، يسبقه ويلحقه وصف شائن ما زال مسجلا في حوليات السياسة الأميركية وما برح يشير إلى نيكسون قائلاً: «هذا هو الرجل الذي كذب على الأمة».

وقد لا يعني المحلل السياسي في الراهنة تفاصيل ووترجيت ولا ملابسات وقوعها. ولكن حسبنا الإشارة في هذا السياق إلى دروس مستفادة يمكن تعميمها بالنسبة للأوضاع السياسية الراهنة في أميركا وفي خارج أميركا على السواء ومن هذه الدروس ما يلي:

ـ إن الشفافية والمكاشفة والمصارحة باتت أمراً لازما وجوهريا بل حيويا في إدارة دفة الدولة الحديثة.

ـ إن ووترجيت كانت دليلاً دامغاً وساطعا تأكدت من خلاله مكانة الصحافة الحديثة في ممارسة دورها بوصفها السلطة الرابعة في النظام السياسي، ومن ثم تأتي قدرة الصحافة على مناطحة السلطة التنفيذية وربما التصدي لتجاوزات قد تصدر عن سائر سلطات الدولة.

وقصارى القول في هذا السياق هو الاحتكام إلى كائن هلامي حقا ولكنه بالغ التأثير يحمل اسم الرأي العام فما بالك إذا ما كان هذا الكائن قد تسلح بالوعي والقدرة على التمييز، وفارق صفوف الأمية واللامبالاة والانسياق القطيعي الأعمى خلف دعايات أو مقولات مزوقة أو شعارات.

على أن أخطر وأهم شروط ممارسة هذا الدور الخطير لمؤسسة الصحافة يتمثل في ضرورة أن تتم هذه الممارسة على يد عناصر صحافية تتمتع بمستوى مهني مقتدر وتصدر عن مستوى أخلاقي رفيع وفطن وحاذق، ذلك لأن الصحافة وهي تمارس هذا الدور الجوهري في حياة المجتمع ولصالح تقدمه .

واستنارته تكون كمن يطأ حقل ألغام، وبمعنى أن عليها أن تستند في الأساس إلى معلومات عالية الصدقية وتستشهد ببيانات شديدة الموثوقية وتسوق من الوقائع والسلوكيات ما لا يمكن أن يخضع للتشكيك، دع عنك التفنيد أو التكذيب.

في هذا السياق بالذات جاءت وقائع يونيو الأخيرة في مجال الصحافة والإعلام الأميركي لتثير قضية أساسية من قضايا الممارسة الصحافية والإعلامية بوجه عام:

ـ تلك هي قضية «مصادر المعلومات» التي يستند إليها أهل الصحافة فيما يكتبون أو يحللون أو ينتقدون.

في هذا الإطار يشدد المشتغلون بالصحافة، سواء في الوسط الأكاديمي أو المجال المهني، على مصداقية المصدر، ويزداد هذا التشديد ـ كما في حالة السيد «الحنجرة العميقة» في أميركا ـ حين يفضّل هذا المصدر عدم ذكر اسمه .

ولا الكشف عن حقيقة شخصيته، هنالك ينبه الأستاذان بيل كوبا تش وتوم روز نستيل ـ في كتاب مشترك أصدراه عن «أسس العمل الصحافي» (نيويورك، عام 2001) ـ إلى التعامل مع المصدر غير المحدد الاسم أو الشخصية على أساس قاعدتين أو بالأدق سؤالين يطرحهما الصحافي «المحترم الشاطر» على نفسه قبل التعامل مع مصادره وهما:

1ـ إلى أي حد يمكن لهذا المصدر أن يزودنا بمعلومات من الدرجة الأولى، بمعنى معلومات مباشرة مستقاة من مظانّها الأصلية وليس مجرد أقاويل أو شائعات؟

2ـ هل هناك دوافع معينة تحفز هذا المصدر على تضليل الصحافي أو إخفاء بعض الحقائق عنه أو تلوين وقائع معينة بما قد يؤثر على نظرة الصحافي وتقييمه للأمور؟

صحيح أن الصحافة اكتسبت مكانة مؤثرة بعد «ووترجيت»، ولكن الوجه الآخر للمكانة هو تحمل مسؤولية الكلمة.

وصحيح أن المصادر الخبرية والمعلوماتية لا غنى عنها في أداء الصحافة لرسالتها، ولكن المصادر بشر في كل حال والتدقيق لا غنى عنه والتمحيص أمر مطلوب.

كاتب مصري ـ خبير الإعلام الدولي