ستة عشر عاماً من قيادة صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة، نقرأ فيها سيرة قائد صنع من الخبرة حكمة، ومن الطموح إنجازاً، ومن الإيمان بالإنسان طريقاً لازدهار الوطن. وهي مسيرة نعتز بها لما تحمله من معانٍ وطنية وإنسانية، ولما حققته من تطور يعكس رؤية قائد يدرك أن قوة الأوطان تنبع من أبنائها، وأن أعظم ما تتركه القيادة في حياة الشعوب هو الثقة بالمستقبل، والقدرة على مواصلة البناء جيلاً بعد جيل.
ومنذ تولي سموه مقاليد الحكم في السابع والعشرين من أكتوبر 2010، واصلت رأس الخيمة تقدمها برؤية جمعت الحكمة والطموح والعمل المؤسسي. وقد اكتسب سموه خبرة قيادية عميقة منذ توليه رئاسة الديوان الأميري عام 1978، ثم رئاسة المجلس البلدي، وصولاً إلى ولاية العهد، وهي تجربة أسهمت في ترسيخ معرفته بمقومات الإمارة واحتياجات مجتمعها. وهنا تتجلى إحدى سمات قيادته؛ القدرة على تحويل الخبرة المتراكمة إلى قرارات تنموية، والمقومات المحلية إلى فرص اقتصادية، والطموحات إلى مشروعات تخدم الحاضر وتؤسس للمستقبل.
وحين نستحضر هذه المسيرة، يحضر بكل الوفاء والإجلال إرث المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي، طيب الله ثراه، الذي أرسى دعائم النهضة الحديثة في رأس الخيمة، وعمل على تطوير مؤسساتها وتعليم أبنائها وتعزيز استقرار مجتمعها. وسيبقى العاشر من فبراير 1972 محطة وطنية خالدة، حين انضمت رأس الخيمة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، في عهد قائد آمن بقوة الاتحاد ووحدة المصير. وعلى هذه الأسس الراسخة، حمل صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي مسؤولية مواصلة البناء، مستلهماً قيم والده وحكمته وقربه من الناس، ومضيفاً إليها رؤية اقتصادية ومعرفية تستجيب لتحولات العصر. وفي هذا الامتداد تتجسد قيمة الوفاء الوطني، حين تتحول منجزات الآباء إلى مسؤولية تحملها الأجيال بعزيمة واقتدار.
وفي عهد سموه، عززت رأس الخيمة مكانتها الاقتصادية والصناعية والسياحية، مستفيدة من بيئة استثمارية متطورة ومقومات طبيعية وموقع استراتيجي متميز. ويكفي أن نشير إلى أن قطاع التصنيع يسهم بنحو 27% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارة، وهو مؤشر يعكس قوة قاعدتها الإنتاجية وتنوع أنشطتها. وأرى أن القيمة الأعمق لهذا التوجه تكمن في بناء اقتصاد يوسع فرص العمل والاستثمار، ويعزز المعرفة والخبرات، ويمنح الأجيال قدرة أكبر على المشاركة في صناعة المستقبل.
ولعل أكثر ما يستحق الاعتزاز في تجربة سموه هو اهتمامه ببناء الإنسان، فقد جعل التعليم والمعرفة وتنمية القدرات الوطنية ركائز أساسية للتقدم. وتبرز مؤسسة الشيخ سعود بن صقر القاسمي لبحوث السياسة العامة ومبادراتها التعليمية ومنحها الدراسية نموذجاً عملياً لهذا الاهتمام. فالاستثمار في العقول يصنع أثراً يتجاوز عمر المشروعات، ويمنح المجتمع كفاءات قادرة على الابتكار وتحمل المسؤولية. ومن هنا أجد أن القيادة الملهمة هي التي تجعل من نجاح الإنسان نجاحاً للوطن، ومن تقدمه قوة مضافة إلى حاضر الدولة ومستقبلها.
وما يزيد هذه التجربة تميزاً هو ارتباط سموه بمجتمعه واعتزازه بهويته وقيمه الأصيلة. فقد حافظت رأس الخيمة على موروثها الثقافي وتماسكها الاجتماعي، وهي تتقدم نحو العالم بثقة وانفتاح. وهذا التوازن يعكس فهماً عميقاً لمعنى التنمية؛ فالمجتمع المعتز بجذوره، الواثق بقيادته، والمتمكن بالعلم والعمل، يمتلك مقومات الاستقرار والقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وتزداد هذه المسيرة فخراً حين نقرأها في إطار اتحادنا الشامخ، وفي ظل قيادة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله. فكل إنجاز تحققه رأس الخيمة يعزز مكانة الإمارات وتنافسيتها، ويضيف إلى قوة البيت الإماراتي المتوحد، الذي تتكامل فيه جهود القيادة الرشيدة، وتلتقي فيه الطموحات تحت راية الوطن، وفاءً لنهج الشيخ زايد والآباء المؤسسين، رحمهم الله.
واليوم، ونحن نحتفي بستة عشر عاماً من الإلهام والبناء، فإننا نعتز بقائد جعل خدمة الوطن والإنسان عنواناً لمسيرته، ونستحضر بكل الوفاء إرث والده الشيخ صقر بن محمد القاسمي، رحمه الله. وبين أصالة الإرث وطموح المستقبل، تتواصل في رأس الخيمة مسيرة وطنية نفاخر بها، تؤكد أن أعظم ما يصنعه القائد هو أن يترك في وطنه إنجازات يشهدها الناس، وقيماً تحفظ تماسك المجتمع، وأجيالاً تمتلك العلم والعزيمة لمواصلة البناء. وتلك هي القيادة التي يبقى أثرها، والإلهام الذي تتوارثه الأجيال.
