في رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى والدته، المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، استوقفتني عبارة اختصرت علاقة يصعب أن تحيط بها الكلمات:
«إلى قلبي وروحي ووطني وحبيبتي». تأملت طويلاً كلمة «وطني» في هذه الرسالة، وما تحمله من معنى، حين تصبح الأم في وجدان ابنها وطناً، بما فيه من أمان وانتماء وذكريات، وحين يظل حضورها ممتداً في حياته، بعد سنوات طويلة من رحيلها.
نشر سموه هذه الكلمات مع رسالة مطولة، ضمن كتابه الجديد «الرسائل»، الجزء الثاني من «علمتني الحياة».. وقد وجدت أن أجمل ما فيها تلك التفاصيل التي استعاد بها حياة والدته، فقد تحدث عن المرأة التي كانت تداوي المرضى، وتطعم الفقراء، وترعى الأيتام، وعن الجبل الذي استند إليه المغفور له، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، أربعين عاماً، والحضن الذي احتضن أبناءه ورعاهم.
. ومن هذه التفاصيل، تتشكل أمامنا صورة امرأة كانت لها مكانتها العميقة في أسرتها ومجتمعها، وتركت في أبنائها أثراً ظل حاضراً في حياتهم.
وجدت في هذه الرسالة جانباً مهماً من تاريخ المرأة الإماراتية، يستحق أن نتأمله، من خلال تجربة الشيخة لطيفة، طيب الله ثراها، فالنساء اللاتي عشن تلك المرحلة، كنّ شريكات في الحياة الاجتماعية، يحملن مسؤوليات الأسرة، ويشاركن في رعاية الناس، ويحفظن المعارف والعادات والقيم التي انتقلت إلى الأجيال التالية.. وكانت البيوت مجالاً واسعاً لهذا العمل الإنساني والتربوي، وفيها تشكلت شخصيات كثيرة، عرفها الناس لاحقاً في مواقع المسؤولية والعمل العام.
وحين قرأت رسالة سموه، حضرت أمي عوشة بنت حسين آل لوتاه، رحمها الله، في ذاكرتي، وحضرت معها سيدات دبي اللاتي عشن تلك العقود، وشهدن ما شهدته الشيخة لطيفة من أحوال المدينة وتغيرات حياتها. أتخيل دبي في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وبيوتها وأسرها، والنساء اللاتي كن يتابعن شؤون أبنائهن وأهلهن، ويتقاسمن هموم الحياة ومسؤولياتها.
وأتساءل كم من الحكايات بقيت في ذاكرة تلك السيدات، وكم من تفاصيل حياتهن اليومية تستحق أن تروى اليوم.. فقد عاشت أمي في دبي خلال تلك المرحلة، وكان لجيلها نصيبه من التجربة الاجتماعية التي عاصرتها الشيخة لطيفة، ولكل امرأة من ذلك الجيل حكاية تستحق أن تجد مكانها في تاريخ المدينة.
وحين يصف الشيخ محمد بن راشد والدته بأنها «حقيقة نجاحي»، فإنه يمنحنا شهادة إنسانية ثمينة عن أثرها في حياته. وأتوقف هنا عند العلاقة بين التربية والقيادة، وكيف تتكون لدى الطفل، في سنواته الأولى، نظرته إلى الناس، ومعنى المسؤولية، وطريقة التعامل مع الآخرين. فالإنسان يحمل معه إلى مراحل عمره اللاحقة كثيراً مما تعلمه داخل أسرته، وقد تظل كلمة سمعها من أمه، أو موقف شاهده منها، حاضرة في اختياراته بعد عشرات السنين.
ومن أكثر ما أثر في نفسي، استعادة سموه لصوت والدته، حين كتب: «ليتني قدرت أن أعطي من عمري لعمرك، ومن سنواتي لأيامك، ومن حياتي لأسمع صوتك».. في هذه الكلمات، يظهر الفقد بكل ما يحمله من حنين.. فالصوت الذي اعتاده الإنسان في طفولته، يصبح جزءاً من ذاكرته، وتعود إليه معه مشاعر الطمأنينة التي عرفها في البيت.. وقد تمضي السنوات، وتتغير أحوال الحياة، وتبقى بعض الأصوات قادرة على استحضار عالم كامل من الذكريات.
ولعل ما يمنح رسالة سموه هذا القرب الإنساني، تلك التفاصيل التي استعادها من أيام طفولته، حين يتذكر خبز والدته وقهوتها في الصباح، وأحاديثها معه عن الأعشاب والخيول، والغزلان الصغيرة التي كانت في بيتهم، واستعدادها لرحلته الأولى إلى لندن، والسترة التي اشترتها له قبل السفر.
تبدو هذه التفاصيل مألوفة في حياة كثير من الأسر، لكنها تحتفظ بقيمتها حين نستعيدها بعد رحيل أصحابها.. فالأم تبقى حاضرة في الأشياء التي اعتادت أن تفعلها لأبنائها، وفي العناية التي كانت تمنحها لهم كل يوم، وفي الذكريات التي يعودون إليها كلما تقدم بهم العمر.
وأعتقد أن قراءة سيرة الشيخة لطيفة بنت حمدان، من خلال هذه الرسالة، تفتح مجالاً أوسع لدراسة تاريخ النساء في دبي.. فالأجيال التي عاصرت مرحلة ما قبل الاتحاد وقيام الدولة، تمتلك ذاكرة اجتماعية غنية، تشمل الحياة داخل البيوت، وعلاقات الجيرة، وأساليب تربية الأبناء، وطرق التكافل ومساعدة المحتاجين..
وتستحق هذه التجارب أن تجمع من شهادات الأسر، وما بقي لديها من رسائل وصور ووثائق، وأن تقرأ بوصفها جزءاً من تاريخ المدينة..
ولعل استعادة أسماء النساء اللاتي عشن تلك السنوات، وسيرهن وتجاربهن، تكون من أجمل صور الوفاء لجيل أسهم في تشكيل الحياة التي نعرفها اليوم. وكما قال الشيخ بو راشد كلمته التي ستنقش في جدار الزمن: «علمتني الحياة يا أمي.. أنك أنتِ الحياة».
