حركة الطلاب في فرنسا.. ماذا تخفي؟

وسط تزاحم الحروب والأزمات، أعادت حركة الطلاب في فرنسا إلى الذاكرة أحداث مايو 1968. بدأت الاحتجاجات الحالية في سبتمبر من ضواحي باريس، ثم اتسعت، يقودها طلبة الثانويات المطالبون بمدرسين ومدارس صالحة للتعليم..

وأعلنت نقابات، عمالية وسياسيون مساندتهم والمشاركة في التظاهر.. دخول النقابات يستحق التوقف، فهو يفتح الباب أمام اجتماع مطالب فئات متعددة تشعر بأن نصيبها من الاهتمام العام يتراجع.

في عام 1968 بدأت الحركة من الجامعات، ولحقت بها إضرابات ملايين العمال، فتعطلت المصانع والمواصلات.. كان التمرد واسعاً، شمل سلطة الجامعة والمصنع، وثبات إدارة مجتمع تغيرت تطلعات شبابه.. وأسفرت مفاوضات غرونيل عن مكاسب عمالية، منها رفع الحد الأدنى للأجور بنحو 35 %.

امتد الأثر إلى الثقافة السياسية والعلاقات الاجتماعية، فاز الديغوليون بالانتخابات التالية، ولكنه فوز مؤقت، فاستقال ديغول بعد خسارة استفتاء عام 1969.. نتيجة غير مباشرة لحركة الطلاب وقتها، والنتيجة تغير الكثير داخل المجتمع الفرنسي.

أرى أن استدعاء تلك التجربة يساعد على فهم ما يجري، بشرط الانتباه إلى اختلاف الظروف.. جيل الستينيات عاش سنوات نمو اقتصادي، وطلب نصيباً أكبر من الحرية والمشاركة.. شباب اليوم يواجهون تقشفاً اقتصادياً، ويخشون ضياع فرص العمل والسكن والصعود الاجتماعي.. في الحالتين وقفت المدرسة والجامعة في مقدم التعبير عن قلق المجتمع، ووجد العمال في غضب الشباب شيئاً من همومهم.

ما تظهره الاحتجاجات، مطالب تعليمية محددة.. وما تكشفه وراءها، في تقديري، أزمة ثقة في الوعد الذي قامت عليه الدولة الحديثة والتجربة الديمقراطة الغربية، يتعلم الإنسان ويعمل، فيحصل على حياة كريمة، ويطمئن إلى مستقبل أبنائه.. تآكل هذا الاطمئنان يجعل غياب المدرس وسوء المبنى المدرسي، دليلاً يومياً على الأوضاع الاقتصادية الصعبة من جهة، وقصور من قِبل السياسيين، فالشقاق السياسي يعطل أي توافق مجتمعي.

لهذا أعتقد أن المسألة تتصل بأزمة في الرأسمالية الغربية تستحق المناقشة.. هناك ثروات هائلة، وفئات محدودة الدخل تعتمد على الخدمات العامة، وبينهما طبقة وسطى تتآكل، تعمل وتدفع الضرائب ويقلقها الغد.. هذه الطبقة وفرت للديمقراطية استقرارها في السابق، الآن تفقد قدرتها على البقاء، وترفض القبول بقواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية القائمة، تختلف الظاهرة في الدول الأوروبية في الشكل، ولكن تتماثل في الجوهر.

في فرنسا بلغ الدين العام 119 % من الناتج المحلي بنهاية الربع الثاني من 2026، وقدر التضخم السنوي في سبتمبر بـ 3 %. وراء الأرقام خزينة تثقلها فوائد الديون، وحكومة مطالبة بتحسين الخدمات.. معادلة صعبة، ويتحول البحث عن التمويل إلى صراع على توزيع الأعباء.

ثم يأتي التشتت السياسي الفرنسي.. أحزاب البرلمان الفرنسي تتبادل التعطيل، والتسوية مكلفة انتخابياً لكل طرف.. يتسع بذلك الفاصل بين حاجة المجتمع إلى قرار، وقدرة المؤسسات على اتخاذه، يدفع المواطن إلى فقدان الثقة في جدوى الانتخاب.

معيار الإدارة الناجحة، هو جودة الخدمة وكلفتها، ومحاسبة المسؤول عنها.. والتعليم بالذات استثمار تتوزع ثماره على المجتمع، وإضعافه يراكم كلفته، ويدفعها الجميع لاحقاً.. وتزيد المواقف الصعوبة المتباعدة بين الأحزاب، والمطالب الخارجية والأمنية على أولوية الصرف، فهل يفتح الحراك باب تغير تاريخي؟.. الاحتمال قائم، واتجاهه مرهون بمن يستطيع تنظيم الغضب، وتقديم برنامج قابل للتنفيذ. قد تتبلور تسوية تعيد توزيع الأعباء وتصلح الخدمات..

وقد تستفيد قوى قومية متشددة من القلق، فتوجهه باللوم نحو خصومة المهاجرين.. ويتحول المجتمع إلى التعصب ضد الآخر، كما يحدث في دول أوروبية أخرى، أرى أن حركة الطلاب تنبه إلى سؤال مؤجل في مجتمعات غربية كثيرة: كيف يستعيد الناس ثقتهم بأن لهم حصة عادلة في المستقبل؟.