شباب الإمارات على قدر الثقة والمسؤولية


قوة الأوطان فيما تمتلكه من موارد وإمكانات، وفي قدرتها على بناء الإنسان الذي يحسن توظيف هذه الموارد، ويحمي مكتسباتها، ويواصل مسيرتها بثقة واقتدار. وفي قلب هذه المعادلة يأتي الشباب باعتبارهم الطاقة الأكثر قدرة على تحويل الطموحات الوطنية إلى واقع، والمعرفة إلى إنجاز، والفرص إلى قيمة مضافة. ومن هنا، فإن الحديث عن شباب الإمارات هو في جوهره حديث عن مستقبل الدولة الوطنية، وعن قدرتها على استدامة ازدهارها وتعزيز تنافسيتها ومكانتها في عالم سريع التحول.

وقد لخّص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، هذه الرؤية بقوله: «بمناسبة اليوم الدولي للشباب نؤكد ثقتنا بشباب الإمارات واعتزازنا بدورهم المحوري وإسهاماتهم الفاعلة في مسيرة تنمية الوطن وتعزيز مكانته وريادته العالمية. الشباب هم صنّاع المستقبل ورواد الابتكار والاستثمار في طاقاتهم وتمكينهم هو استثمار في نهضة الأوطان وتقدم المجتمعات وازدهارها».

هذه الكلمات تقدم معادلة وطنية متكاملة قوامها الثقة والتمكين والمسؤولية. فالثقة تمنح الشباب مساحة للمبادرة، والتمكين يوفر لهم الأدوات والفرص، والمسؤولية تحول ما يمتلكونه من قدرات إلى أثر يخدم الوطن. ولهذا لم تنظر الإمارات إلى الشباب كفئة تنتظر دورها، وإنما كقوة حاضرة في مشروع التنمية، وشريك في صناعة المستقبل وصون مكتسباته.

وأولى ركائز هذه المعادلة هي الهوية الوطنية. ففي عالم تتسارع فيه التحولات وتتداخل فيه الثقافات وتتضاعف فيه المؤثرات الرقمية، تزداد حاجة الإنسان إلى معرفة ذاته والوعي بجذوره. والشاب الإماراتي القادر على المنافسة عالمياً هو ذاته المعتز بدينه وقيمه، الوفي لوطنه وقيادته، المتمسك بعاداته وتقاليده وسنعه الإماراتي الأصيل، والمنفتح بوعي على المعرفة والتجارب الإنسانية النافعة. فالهوية لا تقف في مواجهة الحداثة؛ إنها تمنحها الاتجاه، وتحفظ للإنسان توازنه وسط عالم سريع التغير.

ومن رسوخ الهوية ننتقل إلى امتلاك أدوات العصر. فالدول اليوم لا تتنافس بحجم مواردها وحدها، وإنما بما تنتجه عقول أبنائها من معرفة وابتكار. والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والفضاء والاقتصاد الجديد لم تعد مجالات مستقبلية بعيدة، وإنما أصبحت مكونات رئيسية في قوة الدول وتنافسيتها. ولذلك فإن كل شاب يكتسب معرفة نوعية، وكل باحث ينتج فكرة، وكل مبتكر يحول تحدياً إلى فرصة، يضيف لبنة جديدة إلى القدرة الوطنية الإماراتية.

وقد وفرت الإمارات لشبابها فرصاً واسعة في التعليم والبحث والابتكار وريادة الأعمال، وهنا تتحول الفرصة إلى مسؤولية: أن يصبح العلم أثراً، والتخصص قيمة، والطموح إنجازاً. فتمكين الشباب لا يقاس فقط بما تقدمه الدولة لهم، وإنما بما يصنعونه بما أتيح لهم.

غير أن امتلاك المعرفة لا يكتمل من دون وعي يحميها ويوجهها. ففي البيئة الرقمية المعاصرة، تتنافس الأفكار والمعلومات والسرديات على عقل الإنسان بصورة غير مسبوقة. وقد تصل المعلومة المضللة والخطابات المتطرفة ومحاولات الاستقطاب إلى الشاب في هاتفه قبل أن يدرك طبيعتها أو أهدافها.

ومن هنا تبرز أهمية الأمن الفكري باعتباره مناعة تقوم على التفكير النقدي، والتثبت من المعلومات، والعودة إلى المصادر الموثوقة، والقدرة على التمييز بين الرأي والحقيقة وبين المعرفة والتضليل. فحماية وعي الشباب هي في جانب منها حماية للمجتمع؛ لأن صلابة الأوطان تبدأ من عقول أبنائها، وكلما كان الشاب أكثر وعياً، كان أصعب على أصحاب الأجندات المتطرفة والمضللة اختراق إدراكه أو العبث بانتمائه. هذا الوعي يقود بالضرورة إلى المسؤولية عن الذات. فالشاب الذي يدرك قيمة نفسه يحمي صحته وعقله ووقته، ويبتعد عن المخدرات والمؤثرات العقلية والسلوكيات التي تستنزف قدراته ومستقبله. فالمخدرات لا تهدم فرداً وحده، وإنما قد تمتد آثارها إلى الأسرة والمجتمع وتهدر طاقة كان يمكن أن تتحول إلى علم وإنتاج وعطاء.

وتأتي البيئة الاجتماعية والرقمية مكمّلة لهذه المنظومة؛ فالإنسان يتأثر بمن يصاحبهم وبمن يتابعهم وبالأفكار التي يسمح لها بالدخول إلى يومه. ولهذا أصبح حسن اختيار الصحبة والمحتوى معاً جزءاً من صناعة الشخصية الواعية. فالصديق الحقيقي يرفع الطموح، ويصدق النصيحة، ويعين على الخير، كما أن المحتوى النافع يوسع المدارك ويضيف إلى الإنسان بدلاً من أن يستنزف وعيه ووقته.

لقد أثبت شباب الإمارات حضورهم في ميادين العلم والفضاء والتكنولوجيا والاقتصاد والعمل الإنساني والخدمة الوطنية، غير أن الإنجاز الأكبر ليس الوصول إلى محطة بعينها، وإنما امتلاك القدرة على مواصلة المسيرة جيلاً بعد جيل. وكلما ارتفعت مكانة الإمارات واتسعت طموحاتها، ازدادت مسؤولية أبنائها في الحفاظ على ما تحقق والبناء عليه.

وهنا تتجلى الرؤية العميقة في كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، «الاستثمار في الشباب هو استثمار في استدامة قوة الوطن». فالمعادلة الإماراتية لا تقوم على تمكين الشباب بمعزل عن المسؤولية، ولا على مطالبتهم بالمسؤولية دون توفير الفرص؛ إنها تقوم على وطن يثق بأبنائه ويمكّنهم، وشباب يدركون قيمة هذه الثقة ويحولونها إلى علم وعمل ووعي وإنجاز.

وتلك هي الرسالة الأهم في اليوم الدولي للشباب، أن يكون شباب الإمارات على قدر وطن آمن بهم، وأن يحملوا هويتهم بثقة، ويستثمروا في عقولهم، ويحصّنوا وعيهم، ويحافظوا على قدراتهم، ويجعلوا من كل فرصة إنجازاً ومن كل إنجاز إضافة إلى مسيرة وطنهم. فهذه هي معادلة الإمارات مع شبابها: قيادة تمنح الثقة وتصنع الفرص، وشباب يردّون الثقة ولاءً ومسؤولية وإنجازاً؛ لأن عيال زايد لا ينتظرون المستقبل، وإنما يشاركون في صناعته ويحملون أمانته إلى الأجيال القادمة.