ريبورتاج

تتار بولندا نموذج التسامح الديني في أوروبا

أحد مساجد مدينة غدانسك | أرشيفية

في طريق عشبي تطوقه أشجار تنذر بقدوم الخريف، سارت أقدامنا في قرية ريفية تابعة لمدينة بياوتسنوك البولندية، التي تضم أكبر تجمع للمسلمين في البلاد، قاصدين بالتحديد مسجداً خشبياً صغيراً يزهو باللون العشبي الغامق.

استقبلنا الإمام الذي فتح أقفال مبنى ناهز عمره مئتي عام، ويعود في أصله لأقلية التتار المسلمة في بولندا، لندخل بأقدام حافية، وتدفعنا برودة المكان لتخيل إحساس أول صلاة أقيمت في هذا المسجد عام 1795، وكأننا نسمع تمتمات من صلوا فيه.

وكما اهتم المسلمون بعمارة المساجد لقدسيتها، وعلى بساطتها، فقد تفانى المغول في بناء مساجدهم وتزيينها. وهنا يأتي مسجد كروسزينياري الذي تُفتح أبوابه حصراً في المناسبات الدينية، وأيام الجمعة، للالتقاء وممارسة الشعائر الدينية، هو أقرب في شكله للكنيسة، كونه بلا مآذن، لكن أشكال الهلال في أعلى أبراجه تميزه كصرح شُيّد للمسلمين.

مجابهة الإسلاموفوبيا

دهشتنا سبقت استيعابنا لوجود مساجد مُصانة يكنّ لها المسلم وغير المسلم الاحترام والتقدير كونها بيوتاً للعبادة في شرق أوروبا، والأكثر روعة ما لمسناه في حياة أولئك التتار (المغول) الذين أكدوا لنا أنهم مثال حقيقي على التعايش السلمي بين الأديان.

فخلال تهادينا في المنطقة وتجربة أطباق التتار «الحلال» على مائدة تحلق حولها الجميع، في مطعم يقع بالقرب من المسجد، أثار اهتمامنا اندماج التتار وانسجامهم التام مع النسيج المجتمعي بكل أطيافه، حيث عند سؤالهم عن شعورهم ووصفهم لكينونتهم وتصنيفهم في بلد مثل بولندا، كونهم من أصول مسلمة، أجاب إمام المسجد جميل غيمبيكي أنهم في تعاملاتهم اليومية «بولنديون»، من دون أي تصنيفات دينية أخرى، مقدماً لنا مثالاً حقيقياً وملهماً على التسامح الديني في تلك البلاد الشرق أوروبية، على الرغم من النزعة الأوروبية تجاه «الإسلاموفوبيا»، قائلاً: «هنا يعيش المسيحيون الكاثوليكيون والأرثوذكس والتتار المسلمون بسلام».

مصحف تم حفظه وإبرازه من ضمن مقتنيات المسجد القدسية

 

صفات

حالياً يشتهر التتار أو المغول في بولندا بفن الطهي أو «الكوزين» الخاص بهم، لكن التاريخ يشهد لهم بأنهم منذ القدم مقاتلون أشداء، ويمكن تمييزهم من غالبية سكان بولندا بلون البشرة الفاتح، وطول القامة. ولا يمكننا أن نغفل عن عادة تسميتهم لأبنائهم بأسماء عربية، بيد أنهم تخلوا عن ذلك في الوقت الحالي.

تعد بولندا واحدة من أقل البلدان تنوعا عرقياً ودينياً في أوروبا، أكثر من 90% من السكان هم من الروم الكاثوليك، لكن عند النظر لتفاصيل التتار وطريقة عيشهم في المجتمع المحلي، نرى أنهم اندمجوا بكل سلاسة مع تضاريس البيئة والمجتمع المحلي، وفي الوقت نفسه برزوا وحافظوا على اختلافهم عما يحيط بهم. وبحسب ما أوضحه أرتور كونوباكي، باحث في ثقافة التتار ويعمل على تأليف كتاب حول تاريخهم: «يُعامل التتار في بولندا بوصفهم جزءاً من المشهد في البلاد، لا مجموعة منفصلة».

يصادف العام المقبل مرور 340 عاماً على منح التتار الأرض التي يستقر عليها حالياً نحو 120 شخصاً في قرية كروسزيناي الصغيرة، بالقرب من حدود بيلاروسيا.

ولعله يمكننا فهم التتار المسلمين الذين عاشوا في بولندا لبضعة قرون، مؤكدين قبولهم التام في شريحة السكان، وقد يعود ذلك لأن مسلمي بولندا اندمجوا في نسيج المجتمع لدرجة لا يمكن تمييزهم إلا من خلال لون البشرة الفاتح والقامة الطويلة، وأحياناً عبر اللغة التي ينطقون بها، إذ تلاشت تدريجياً اللغة التركية التي احتفظ بها أولئك الذين استقروا في مناطق أوروبية أخرى، مثل شبه جزيرة القرم في أوكرانيا وتترستان في روسيا.

مشاهير

عددٌ من مشاهير العالم تعود أصولهم لعرق المغول أو التتار، ويمكن الإضاءة على أحد أشهرهم، وهو الممثل الأميركي تشارلز برونسون، اسمه الحقيقي تشارلز بوتشينسكي، حيث إن والده مغولي من ليتوانيا.

يشير السجل التاريخي إلى أن المغول قدموا من آسيا الوسطى واستقروا في مناطق ببولندا وليتوانيا خلال القرن الرابع عشر، ليعرفوا في تلك الرقعة من العالم باسم Lipkas، وهم يزعمون أن نسلهم يرتبط بقائد الجيش المغولي جنكيز خان.

وبفضل باعهم الطويل في القتال، وأجسامهم التي تؤهلهم لذلك، حارب العديد منهم في صف الجيوش المحلية ضد الفرسان «التيوتون» والعثمانيين، وأصبحوا فيما بعد حرفيين ودباغين، تم إرغام بعضهم على اعتناق المسيحية، في حين اختار آخرون الاستقرار مع عائلاتهم بعد منحهم أراضي ومكانة خاصة في المجتمع لبسالتهم في الدفاع عن الأرض التي استقروا بها طواعية، ليتمتعوا بالكثير من الامتيازات، كالحرية الدينية، وحرية بناء المساجد، مع تمتعهم بالاحترام داخل المجتمع كما لو أنهم طبقة خاصة من النبلاء.

إمام المسجد جميل غيمبيكي متحدثاً عن الصرح الإسلامي البولندي

 

رماية

من بين الأمور التي اطلعنا عليها في تلك الرحلة التي أتحفتنا بالمعرفة عما الكثير مما كنا نجهله في تلك البلاد الجديرة بالتقدير، عرض رماية على ظهر الخيول، إذ تحتضن بولندا عدداً من الإسطبلات التي تزخر بعدد لا بأس به من الخيول ذات النسل العربي. .

من هجوم إلى مهادنة

تؤكد معطيات توثيقية أن أول اتصال بالمسلمين بدأ عندما هاجم التتار بولندا في القرن الثالث عشر الميلادي وتحوّل هذا العداء إلى مهادنة، عندما استعان البولنديون بالتتار لمواجهة الألمان، فانضم الكثير من التتار إلى الجيش، وهكذا تكونت أول جالية مسلمة.

وفي القرن العاشر الهجري تعرض المسلمون إلى الاضطهاد، واشتعلت الحرب بين بولندا وجاراتها في 1640، وعندما اتحدت بولندا مع لتوانيا تطوّع الكثير من التتار المسلمين في جيش لتوانيا، وعندما اقتسمت ألمانيا والنمسا وروسيا بولندا في أواخر القرن الثامن عشر أصبح المسلمون ضمن المناطق المقسّمة.

 

اقرأ أيضاً:

 " «تتار يورت» مطعم لنشر الفكر الإسلامي الصحيح"

طباعة Email
تعليقات

تعليقات